محمد بن علي الشوكاني
4859
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
كما قال تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } ( 1 ) ، وأن ذلك نسخ بآيات المواريث ، وهي قوله : { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } إلى آخر الآيات ، وإن كانت كلمة أهل العلم متفقة على النسخ ، فمعنى النسخ لغة ( 2 ) : الإزالة والإبطال والتغيير ، قال في القاموس ( 3 ) : نسخه كمنعه أزاله وغيره وأبطله ، وأقام شيئا مقامه ، انتهى . فمعنى نسخ الوصية للوارث إزالتها وتغييرها وإبطالها في إقامة المواريث مقامها ( 4 ) ، ولو كانت جائزة بعد نسخها لم يكن كذلك ، بل يكون الجمع بينها وبين آيات المواريث التي هي الناسخة جائزا ، فلا إزالة ، ولا تغيير ، ولا إبطال ، ولا إقامة للناسخ مقام المنسوخ . نعم . لو ربط القائلون بهذه المقالة ما يدعونه بدليل كان ذلك مقبولا على حد قبول الدليل ، وأما الدعاوى المجردة لا سيما إذا كانت مخالفة لما هو الأصل ، والحقيقة الشرعية ( 5 ) ، واللغوية ( 6 ) ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> ( 1 ) [ البقرة : 180 ] . ( 2 ) " مقاييس اللغة " ( 5 / 424 - 425 ) . ( 3 ) ( ص 334 ) ( 4 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 492 ) : اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين ، وقد كان ذلك واجبًا - على أصح القولين - قبل نزول آية المواريث ، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله ، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منة الموصي . ولهذا جاء الحديث : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " . وانظر : " الناسخ والمنسوخ " لأبي جعفر النحاس ( 1 / 482 - 486 ) . وقال الشافعي في " الرسالة " ( ص 139 ) : " وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي ، من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عام الفتح : " لا وصية لوارث ، ولا يقتل مؤمن بكافر " ويأثرونه عمن حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي ، فكان هذا نقل عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجتمعين " . ( 5 ) تقدم توضيحها مرارًا ( 6 ) تقدم توضيحها مرارًا