محمد بن علي الشوكاني
5336
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
التفسير ( 1 ) . فكيف يأمر عباده أولا ؟ ثم يجعل تركه استكبارا منهم ثم يرغبهم إلى الدعاء ، ويخبرهم أنه قريب من الداعي ، مجيب لدعوته بقوله : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ( 2 ) ، ثم يقول معنوناُ لكلامه الكريم بحرف يدل على الاستفهام الإنكاري والتقريع [ 4 أ ] والتوبيخ : { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ( 3 ) ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله : { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } ( 4 ) فإن قالوا : إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به ، وأرشدنا إليه ، وجعل تركه استكبارا وتوعد عليه بدخول النار مع الذل ، ورغب عباده إلى دعائه ، وعرفهم أنه قريب وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف ما نزل به من السوء وأمرهم أن يسألوه من فضله ، ويطلبوا ما عنده من الخير أن كل ذلك لا فائدة فيه للعبد ، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء وسبق به العلم . فقد نسبوا إلى الرب - عز وجل - ما لا يجوز عليه ، ولا يحل نسبته إليه ، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يعتد بها ، ولا يرغبه إلا إلى ما يحصل له به الخير ، ولا يرهبه إلا عما يكون به عليه الضير ( 5 ) ، ولا يعده إلا بما هو حق يترتب عليه فائدة فهو صادق الوعد
--> ( 1 ) انظر : " جامع البيان " ( 12 / 78 - 79 ) . ( 2 ) [ البقرة : 186 ] . ( 3 ) [ النمل : 62 ] . ( 4 ) [ النساء : 32 ] . ( 5 ) وقد فند مثل هذا القول ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " ( 8 / 176 ) إذ قال : " الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات ، ومن قال : إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ، ليس بسبب ، أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودا ولا عدما ، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه فهما قولان ضعيفان ، فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وفي الصحيحين عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : " ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ، ولا قطيعة رحم ، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث : إما أن يعجل له في دعوته ، وإما أن يدخر له من الخير مثلها ، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها " ، قالوا : يا رسول الله إذا نكثر ، قال : " الله أكثر " . أخرجه الترمذي رقم ( 3573 ) وهو حديث حسن من حديث عبادة بن الصامت . وأخرجه أحمد ( 3 / 18 ) من حديث أبي سعيد الخدري وهو حديث صحيح .