محمد بن علي الشوكاني
5328
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
تكون استعاذته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من سوء القضاء لغوا لا فائدة فيه . وهكذا يكون قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " وقني شر ما قضيت " . لغوا لا فائدة فيه وهكذا يكون أمره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بالتداوي ، وأن الله - سبحانه - ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء لغوا لا فائدة فيه ، ومع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح ( 1 ) عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - . فإن قلت : فعلام تحمل ما تقدم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر ، ومن ذلك قوله - عز وجل - : { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } ( 2 ) . قلت : قد أجاب ( 3 ) عن ذلك بعض السلف وتبعه بعض الخلف ، بأن هذه الآية مختصة بالأجل إذا حضر ، فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره . ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك ، فإنه قال : { وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا } ( 4 ) ،
--> ( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد ( 4 / 278 ) وأبو داود رقم ( 3855 ) والترمذي رقم ( 2038 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح . وابن ماجة رقم ( 3436 ) وغيرهم من حديث أسامة : " قالت الأعراب : يا رسول الله : ألا نتداوى ؟ قال : " نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، إلا داء واحد " قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : " الهرم " . وهو حديث صحيح . * قال ابن القيم في " الجواب الكافي " ( ص 27 ) : " إن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء ، فلم يقدر مجردا عن أسبابه ، ولكن قدر بسببه ، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهكذا ، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب ، وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر ، وقدر خروج روح الحيوان بذبحه ، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال الحسنة ودخول النار بالأعمال السيئة . وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب ، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء ، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب ، وجميع الحركات والأعمال ، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ، ولا أبلغ من حصول المطلوب . ( 2 ) [ النحل : 61 ] . ( 3 ) انظر أول الرسالة . ( 4 ) [ المنافقون : 11 ] .