محمد بن علي الشوكاني

5823

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بإثبات ، ولا بنفي . ولو قدرنا أن ذكر غير الطاعة يدل بمفهوم اللقب ( 1 ) على أن الإنفاق في الطاعة لا يكون سرفا ، فهذا المفهوم لم يأخذ بمثله أهل العلم ، ولا التفتوا إليه ، وإنما أخذ به الدقاق ( 2 ) وخالفه جميع أهل العلم ، كما هو معروف في كتب الأصول وغيرها دفع ذلك ، فالأدلة التي قدمنا ذكر بعضها تدل على ثبوت السرف بما هو خير . وإن قلت : قد نهى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بعض المتصدقين بجميع ماله ، أو ببعضه معللا ذلك بأنه من بعد ذلك يتكفف الناس ( 3 ) . قلت : لا تزاحم بين المقتضيات ، فقد يكون وجه النهي هذه العلة كما يكون وجه النهي التعليل بالسرف ، وقد يجتمعان جميعا ، فيسرف بالتصدق بجميع ماله ، ثم يتكفف

--> ( 1 ) مفهوم اللقب : وهو تعليق الحكم بالاسم العلم نحو قام زيد ، أو اسم النوع نحو : في الغنم زكاة ، ولم يعمل به أحد إلا أبو بكر الدقاق . وحكى ابن برهان في الوجيز التفصيل عن بعض الشافعية وهو أنه يعمل به في أسماء الأنواع لا في أسماء الأشخاص . وحكى ابن حمدان وأبو يعلى من الحنابلة تفصيلا آخر وهو العمل بما دلت عليه القرينة دون غيره . قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 602 ) : والحاصل أن القائل به كلا أو بعضا لم يأت بحجة لغوية ولا شرعية ولا عقلية ، ومعلوم من لسان العرب أن من قال : رأيت زيدا لم يقتض أنه لم ير غيره قطعا . وأما إذا دلت القرينة على العمل به فذلك ليس إلا للقرينة فهو خارج عن محل النزاع . وانظر : " البحر المحيط " ( 4 / 25 ) . ( 2 ) انظر : " تيسير التحرير " ( 1 / 101 ) ، " الكوكب المنير " ( 3 / 509 ) . ( 3 ) منها : ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 5355 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " خير الصدقة ما أبقت غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " . ومنها ما أخرجه أبو داود رقم ( 1677 ) وابن خزيمة رقم ( 2451 ) والحاكم ( 1 / 414 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله أي الصدقة أفضل ؟ قال : " جهد المقل ، وابدأ بمن تعول " . وهو حديث صحيح . ومنها ما أخرجه البخاري رقم ( 1472 ) ومسلم رقم ( 1034 ) والنسائي ( 5 / 69 ) من حديث حكيم بن حزام .