محمد بن علي الشوكاني
5821
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
على صفة منع الشرع منها ، وهي السرف بإخراج جميع المال لم يكن خيراً من هذه الحيثية ، وهكذا أمر من أراد أن ينخلع عن جميع ماله أن يمسك عليه بعضه ، وهكذا ورد النهي عن التصدق بجميع المال ، ومن ذلك حديث : " المتصدق بالبيضة الذهب التي لا يملك غيرها " ( 1 ) . وبالجملة فالأدلة على كثرتها تدل على أنه لا خير في السرف على أي صفة كان ، ولو قدرنا ورود ما يفيد ثبوت الثواب لمن أسرف في تصرفه فلا ينافي في ذلك ذم السرف ، ولكونه غير خير لأنه إذا ثبت له الأجر بالصدقة مثلاً بجميع ماله ؛ فقد لزمه الإثم بالسرف الذي ارتكبه ، وقد يكون الشيء حسناً من وجه ، قبيحاً من وجه آخر ، فالسرف لا يكون إلا قبحاً ، ولا يكون خيراً قط ، وليس من ذلك تأثير الإنسان لمن هو أحوج منه بطعامه ، أو بشرابه ، أو بثوب من ثيابه التي تدعو حاجته إليها ، فإن مثل ذلك لا يصدق عليه معنى السرف لغة ولا شرعاً ، أما اللغة فقال في الصحاح ( 2 ) : السرف ضد القصد ، ثم قال : والإسراف في النفقة التبذير ، فهذا معنى السرف ، وهو لا يصدق إلا على من
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود رقم ( 1674 ) وابن خزيمة رقم ( 2441 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 3372 ) وأبو يعلى في " المسند " رقم ( 2084 ) والحاكم ( 1 / 413 ) والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 4 / 181 ) من طرق عن جابر بن عبد الله قال : إني لعند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب قد أصابها من بعض المغازي ، فقال : يا رسول الله . خذ هذه مني صدقة ، فوالله ما أصبح لي مال غيرها ، قال : فأعرض عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاءه من شقه الآخر ، فقال له مثل ذلك ، فأعرض عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثم جاءه من قبل وجهه ، فأخذها منه فحذفه بها حذفة لو أصابه عقره ، أو أوجعه ، ثم قال : " يأتي أحدكم إلى جميع ما يملك ، فيتصدق به ، ثم يقعد يتكفف الناس ! إنما الصدقة عن ظهر غنى ، خذ عنا مالك . لا حاجة لنا به " . وهو حديث ضعيف دون جملة " خير الصدقة عن ظهر غنى . . " . فقد أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 5356 ) وأبو داود رقم ( 1676 ) عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول . " ( 2 ) ( 4 / 1373 ) .