محمد بن علي الشوكاني

5791

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

أحد ( 1 ) وقال : إذا سمعت كذبا فهون على نفسك الصبر عليه . وقال : ما لا ينبغي أن تفعله احذر أن تخطره ببالك ، وقال : الأشكال المزخرفة ، والأمور المموهة في اقتضاء الأزمان تتبهرج . وقال : الإنسان الذي اختبرته بالتجربة ، فوجدته لا يصلح أن يكون صديقا وخلا احذر أن تجعله لك عدوا . وقال : ينبغي أن تعرف الوقت الذي يحسن فيه الكلام ، والوقت الذي يحسن فيه السكوت ( 2 ) .

--> ( 1 ) أخرج مسلم في صحيحه رقم ( 38 / 8 ) من حديث عمر بن الخطاب وفيه : " فأخبرني عن الإحسان ، قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . وأخرج الترمذي في " السنن " رقم ( 2458 ) عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " استحيوا من الله حق الحياء " قال : قلنا : يا رسول الله ! إنا نستحي والحمد لله ؟ ! قال : " ليس ذاك ، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء : أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، ولتذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ، ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك ، فقد استحيا من الله الحياء " . وهو حديث حسن . وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 9 ) ومسلم رقم ( 35 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان " . قال الماوردي في " أدب الدنيا والدين " ( ص 242 - 244 ) : الحياء في الإنسان قد يكون ثلاثة أوجه : 1 - الحياء من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره . 2 - حياؤه من الناس . فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح وهذا من كمال المروءة وحب الثناء . 3 - حياؤه من نفسه : فيكون بالعفة وصيانة الخلوات . قال بعض الحكماء : ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك . قال بعض الأدباء : من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية ، فليس لنفسه عنده قدر . وهذا النوع من الحياء يكون من فضيلة النفس ، وحسن السريرة فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة ، فقد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر وصار بالفضل مشهورا ، وبالجميل مذكورا ، وقال بعض الشعراء : وإني ليثنيني عن الجهل والخنا . . . وعن شتم ذي القربى طلائق أربع حياء وإسلام وتقوى وأنني . . . كريم ، ومثلي من يضر وينفع ( 2 ) قال تعالى : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) [ القصص : 55 ] . وقال سبحانه وتعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاة فَاعِلُونَ ) [ المؤمنون : 1 - 4 ] . واعلم أن شروط الكلام أربعة : 1 - أن يكون الكلام لداع يدعو إليه ، إما في اجتلاب نفع ، أو دفع ضرر . قال عمر بن عبد العزيز : من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه . وقال بعض الحكماء : عقل المرء مخبوء تحت لسانه . 2 - أن يأتي بالكلام في موضعه . 3 - أن يقتصر منه على قدر حاجته ، فإن الكلام إن لم ينحصر بالحاجة ، ولم يقدر بالكفاية ؛ لم يكن لحده غاية . ولا لقدره نهاية . وأنشدت لأبي الفتح البستي : تكلم وسدد ما استطعت فإنما . . . كلامك حي والسكوت جماد فإن لم تجد قولا سديدا تقوله . . . فصمتك عن غير السداد سداد 4 - أن يختار اللفظ الذي يتكلم به فلأن اللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهوله ، ويبرهن عن محصوله ؛ فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريا ، وبتقويم لسانه مليا . " أدب الدنيا والدين " ( ص 266 - 268 ) . * وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 6478 ) ومسلم رقم ( 2988 ) ومالك ( 2 / 985 ) عن أبي هريرة ، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إن العبد يتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات في الجنة ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم " .