محمد بن علي الشوكاني
5774
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يتفاوت ، فمن الناس من يكون إيمانه كالجبال الرواسي التي لا يحركها شيء ، ولا يتزلزل بالشبه وإن بلغت أي مبلغ ، ومن الناس من يكون إيمانه دون ذلك ، وقد جاءت الأدلة الصحيحة قاضية بأن الإيمان يزيد وينقص ، فلله هذه المنقبة التي تتقاصر الأذهان عن تصور كنهها ، وبلوغ غايتها . وبالجملة فالإيمان هو رأس مال كل من يدين بهذا الدين ، فإذا فاقوا فيه غيرهم فقد ظفروا بالخير أجمع ، ونالوا الغاية التي ليس وراءها غاية ، والمنقبة التي تتقاصر عندها كل منقبة . الثالثة منها : قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " والحكمة يمانية " ففي هذا إثبات الحكمة ( 1 ) لهم على طريقة المبالغة ، وأن لهم فيها الحظ الذي لا يدانيه حظ ، والنصيب الذي لا يساويه نصيب . والحكمة هي : العلم بالله وبشرائعه ، والفهم لحججه ، وكل ما يتعلق بذلك من العلوم العقلية والنقلية ، فقد أثبت لهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - العلم على وجه لا يلحق بهم غيرهم فيه ، ومن جمع الله له بين الإيمان على الوجه الأكمل ، والعلم على الوصف الأتم فقد ظفر بالسعادة العاجلة والآجلة ، ونال الخير السابق واللاحق على أبلغ
--> ( 1 ) الحكمة عند العرب : ما منع من الجهل والجفاء ، والحكيم : من منعه عقله وحلمه من الجهل ، حكاه ابن عرفة ، وهو مأخوذ من حكمة الدابة ، وهي الحديدة التي في اللجام ، سحبت بذلك لأنها تمنعها ، وهذه الأحرف : ح ك م حيثما تصرفت ، فيها معنى المنع قال الشاعر - جرير - : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم . . . إني خشيت عليكم أن أغضبا وقيل : في قوله تعالى : ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ) [ البقرة : 269 ] : أنها الإصابة في القول والفهم ، قال مالك : الحكمة : الفقه في الدين . انظر : " المفهم " ( 1 / 238 )