محمد بن علي الشوكاني

5757

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

[ القسم الثالث ] وأما القسم الثالث من الأقسام التي ذكرناها ، وهم الساكنون في المدن ، فهم وإن كانوا أبعد الناس عن الشر ، وأقربهم إلى الخير ، لكن غالبهم وجمهورهم عامة وجهال يهملون كثيرا مما أوجبه الله عليهم من الفرائض جهلا وتساهلا . فمن ذلك : أنهم يصلون أغلب الصلوات في غير أوقاتها ، فيأتون بصلاة الفجر حال طلوع الشمس وبعدها ، وبصلاة العصرين قريب غروب الشمس ، وبصلاة العشاءين إما جمعا في وقت الأولى ، أو في وقت الأخرى . ومع هذا فهم لا يحسنون أركان الصلاة ، ولا أذكارها إلا الشاذ النادر منهم ، ويتعاملون في بيعهم وشرائهم معاملات تخالف المسلك الشرعي ، وكثيرا ما يقع الربا ويتكلمون [ 12 ب ] بالألفاظ الكفرية ، وينهمك كثير منهم في معاص صغيرة وكبيرة ، وهم أقرب الناس إلى الخير ، وأسرعهم قبولا للتعليم ، إذا وجدوا من يعزم عليهم عزيمة مستمرة دائمة ، غير منقوصة في أقرب وقت ، كما يقع في ذلك كثير . ومن عدا العامة : فمن لم يكن له اشتغال بالعلم ، ولا مجالسة لأهله حكمه حكم العامة في دينه ، بل هو واحد منهم ، وإن كان له نسب شريف وبيت رفيع . وربما كان هذا الذي يظن في نفسه أنه خارج من العامة ، وداخل في الخاصة متعلقا بشيء من الولايات الدينية أو الدنيوية ، وهو يخبط خبط عشواء ، ويظلم العباد والبلاد ، جهلا منه أو تجاهلا وجرأة على الله . والواجب على إمام المسلمين - حفظه الله - وعلى أعوانه ، افتقاد هؤلاء ، والبحث عن مباشراتهم ، وعن كيفية معاملاتهم لمن يتولون عليه ، أو يتوسطون [ 13 ] له ، وقد يكون بعض هؤلاء المتولين للأعمال ، أو المتوسطين على شيء من أهل العلم ، وليس كونه من أهل العلم موجبا لترك البحث عن أحواله ، والتفتيش عن معاملته لمن هو متول عليهم ، أو متوسط لهم ، فإن كونه عالما أو متعلما لا يوجب له العصمة ، ولا يسد عنه