محمد بن علي الشوكاني
5754
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وأما العمال والقضاة الذين صاروا يتولون البلاد في هذه الأعصار ، فهم من أعظم الأسباب الموجبة لنزول العقوبة ، وتسليط الأعداء ، وذهاب البلاد والعباد ، وسفك الدماء واستحلال الحرام ، وكيف لا يقع هذا التسليط وعامل [ 11 ب ] البلاد على الصفة التي قدمنا ذكرها ؟ ! ومن أول مساوئه ، ومعاصيه ، ومعاندته لله ، وتعرضه لغضبه وسخطه أنه يطلب تلك الولاية بأموال ، يقدمها من أموال المرابين ، فيقع في الربا الذي هو من أعظم المعاصي الموجبة للحرب من الله ، قبل أن يخرج من بيته ، ويقبض مرسوم ولايته ، وقد يكون الذي ولاه عالما بأن ذلك المال هو عين الربا ، فيقعان جميعا في غضب الله ولعنته ، قبل المباشرة للولاية . وإذا كان هذا أول ما تفتتح به هذه الولاية الملعونة ، فما ظنك بما يحدث بعد ذلك من الظلم والجور والعسف ، وإهمال ما أخذه الله على الولاة ، من إرشاد الضال من الرعايا ، وهداية الجاهل ؟ ! وهكذا ولاية القاضي الشيطان في هذه الأزمان ، فإنها تفتتح بشيء من السحت يدفعه هذا القاضي الذي هو من قضاة النار ( 1 ) إلى من ولاه بعد أن يستعين بالشفعاء ، فكيف يفلح قاض جاهل للشرائع اشترى هذا المنصب الديني بماله ، وقام في حصوله له وقعد ، مع أن الشارع نهى عن يتولى القضاء من طلبه فضلا عمن اشتراه [ 12 أ ] بماله ( 2 ) ! .
--> ( 1 ) تقدم ذكر الحديث ( 2 ) تقدم توضيحه . قال ابن تيمية في " السياسة الشرعية " ( ص 174 ) : متى اهتم الولاة بإصلاح دين الناس ، صلح للطائفتين دينهم ودنياهم ، وإلا اضطربت الأمور عليهم ، وملاك ذلك كله حسن النية للرعية ، وإخلاص الدين كله لله ، والتوكل عليه ، فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة ، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الفاتحة : 5 ] فإن هاتين الكلمتين قد قيل إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء ، وقد روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كان مرة في بعض مغازيه ، فقال : " يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين " فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله : ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقوله تعالى : ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذبح أضحيته - يقول : " اللهم منك ولك " - وأعظم عون لولي الأمر خاصة ، ولغيره عامة ثلاثة أمور أحدها . أحدها : الإخلاص لله ، والتوكل عليه بالدعاء وغيره وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن . الثاني : الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة . الثالث : الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب ، ولهذا جمع الله بين الصلاة والصبر ، كقوله تعالى في موضعين : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) وكقوله تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين ) [ هود : 114 - 115 ] . فيجب على كل من ولي شيئا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه ، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو يسبق في الطلب بل ذلك سبب المنع . كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال : إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه " تقدم وهو حديث صحيح . فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره ، لأجل قرابة بينهما ، أو ولاء عتاقة أو صداقة ، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس . . . أو لرشوة يأخذها من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ الأنفال : 27 ] . فمثلا : القوة في كل ولاية بحسبها فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب ، والمخادعة فيها ، فإن الحرب خدعة ، وإلى القدرة على أنواع القتال . . . " . القوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى القدرة تنفيذ الأحكام . والأمانة ترجع إلى خشية الله ، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا ، وترك خشية الناس وهذه الخصال الثلاث التي أتخذها الله على كل حكم على الناس . قال تعالى : { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44 ] . وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد ، قدم الأمين فأما استخراجها وحفظها ، فلا بد فيه من قوة وأمانة فيولي عليها شاد قوي يستخرجها بقوته ، وكاتب أمين يحفظها وأمانته ، وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين ، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد ، جمع بين عدد ، فلابد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولى إذا لم تقع الكفاية بواحد تام . ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى الأورع ، وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه : الأعلم . وانظر مزيد التفصيل : " السياسة الشرعية " لابن تيمية . " تسهيل النظر وتعجيل الظفر " الماوردي " درر السلوك في سياسة الملوك " .