محمد بن علي الشوكاني

5743

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بعض عباده على بعض حتى يسحتهم بعذابه ، ونزل بهم غضبه ، ويسلط عليهم من يسفك دماءهم ، وينهب أموالهم ، ويهتك محارمهم . وقد يضم عامل السوء إلى هذه المخازي مخازي أخرى فيظهر بين الرعايا بمحرمات يرتكبها ، ومحارم ينتهكها جراءة على الله ، فيسن للرعايا سنن الشر ، ويفتح لهم أبواب الفجور ( 1 ) .

--> ( 1 ) لذلك على الحاكم المسلم أو الملك حسن اختيار أعوانه . وأصل ما يبني عليه قاعدة أمره في اختيار أعوانه وكفاته : أن يختبر أهل مملكته ، ويسير لجميع حاشيته ، يتصفح عقولهم وآرائهم ، ومعرفته همهم وأخلاقهم حتى يعرف باطن سرائرهم وما يلائم كامن شيمهم ، فإنه سيجد طباعهم مختلفة ، وهمهم متباينة ومنتهم متفاضلة . * فلا يعطي أحدهم منزلة لا يستحقها لنقص أو خلل ، ولا يستكفيه أمر ولايته ولا ينهض بها ، لعجز أو فشل ، فإنهم آلات الملك ، فإذا اختلت كان تأثيرها مختلا وفعلها معتلا . وقد قيل : من استعان بأصاغر رجاله على أكابر أعماله فقد ضيع العمل وأوقع الخلل . وقيل : من استوزر غير كفء ، خاطر بملكه ، ومن استشار غير أمين أعان على هلكه ومن أسر إلى غير ثقة ضيع سره ، ومن استعان بغير مستقل أفسد أمره ومن ضيع عاقلا دل على ضعف عقله ، ومن اصطنع جاهلا أعرب عن فرط جهله . انظر : " تسهيل النظر وتعجيل الظفر " الماوردي ( ص 194 - 195 ) . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " . أخرجه البخاري رقم ( 2278 ، 2416 ) ومسلم رقم ( 1829 ) . قال البغوي في " شرح السنة " ( 10 / 62 ) : معنى الراعي : الحافظ المؤتمن على ما يليه ، أمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنصيحة فيما يلونه ، وحذرهم الخيانة فيه بأخباره أنهم مسؤولون عنه . فالرعاية : حفظ الشيء ، وحسن التعهد ، فقد استوى هؤلاء في الاسم ولكن معانيهم مختلفة ، رعاية الإمام ، وولاية أمر الرعية والحياطة من ورائهم ، وإقامة الحدود والأحكام فيهم ، ورعاية الرجل أهله بالقيام عليهم بالحق في النفقة وحسن العشرة ورعاية المرأة في بيت زوجها بحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمة أضيافه ، ورعاية الخادم حفظ ما في يده من مال سيده والقيام بشغله . وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري : " إن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته ، وأشقاهم في الدارين من شقوا به " وإنك وإن ترتع عمالك فيكون مثلك مثل البهيمة ، رأت أرضا خضرة ونباتا حسنا فرتعت تلتمس السمن ، وإنما حتفها في سمنها " . انظر : " الخراج " لأبي يوسف ( ص 17 ) ، " عيون الأخبار " ( 1 / 11 )