محمد بن علي الشوكاني

5724

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يواقع ما استبان من الحرام . وإذا عرفت هذه الأقسام ، وتقرر لك حكم كل واحد منها ارتفع الإشكال ، واتضح الأمر ، وتبين لك ما هو الذي يجوز لك ملابسته من تلك المجامع [ 4 ب ] والمجالس ، وما هو الذي لا يجوز لك ملابسته منها وما هو الذي ينكر على فاعله وما هو الذي لا ينكر على فاعله ، وما هو من البدعة التي هي ضلالة ، وما هو من البدعة المشتبهة ، وذلك يغنيك عن النظر إلى ما وقع من ذلك في البلد الفلاني ، أو في الجيل الفلاني ، أو في العصر الذي قبل عصرك ، أو في العصور التي قبله بكثير ، فإن ذلك مما لا يصح الاحتجاج به ، ولا إيراده في موارد الاستدلال ، فقد وقع من ذلك في كل عصر من العصور الغث والسمين ، والجاري على منهج الشرع والجاري على غيره ، وصار كثير من الأشياء المنكرة ، والبدع التي هي من قسم الضلالة باستعمال كثير من الناس لها غير مستنكر ولا معدود من الأمور المخالفة للشرع ، ولا من الشبهة التي يتوقف المؤمنون عندها . ومن اطلع على كتب التاريخ وقف من ذلك على العجب العجيب ، والنبأ الغريب ، فإن كثيرا من المنكرات المعلوم تحريمها بضرورة الشرع قد صارت عند قوم من الأقوام ، وفي جيل من الأجيال من المعروف لا من المنكر ، حتى إن من أنكر ذلك عد إنكاره منكرا ولا يقوى على القيام في مثل هذه المقامات الصعبة إلا من كان متصلبا في دين الله ، شديد الشكيمة على أعداء الله ، نافذ البصيرة في الحق ، صحيح التصور لما أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب من البيان ، قوي الفهم بمعنى قوله - عز وجل - : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } ( 1 ) ، وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } ( 2 ) .

--> ( 1 ) [ آل عمران : 187 ] ( 2 ) [ البقرة : 159 ]