محمد بن علي الشوكاني

5670

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وأما قول القائل : أنا سيد بني فلان ، وأنت سيد أهل الوبر ، أو فلان سيد القبيلة ، فمعناه على هذا الاستعمال هو المتقدم عليهم ، فمعنى قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أنا سيد ولد آدم " ( 1 ) أي : المتقدم عليهم ، فكيف يصح القول : " أنت سيدنا " حملا على قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعدم الجامع . ولو كان الجامع بينهما لما نهى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنه الوفد الوافد ، فأين الحديث حجة لكم ؟ واعلم أنا لا نمنع إطلاق لفظ السيد على الله وعلى غيره ، حيث ثبت أنه يستعمل لمعان متعددة ، لكنا نمنع إطلاقه عليه تعالى إذا أريد به معنى الزوج والخادم ونحوهما مما يجب تنزيهه تعالى عن مثله ؛ ولذا ذهبت طائفة من المتكلمين إلى منع ذلك مطلقا حيث كان مشتركا ولم تقم قرينة مطردة دالة على معنى مناسب له تعالى . ونحن لم نتبع تلك الطائفة ، وقلنا بالجواز مع شرط إرادة معنى لائق به ؛ لإطلاقه على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ونمنع إطلاقه في المكاتبات والمخاطبات قطعا ؛ لأنه لا يراد في هذه المواضع إلا المالك ، والمؤيد نهي الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للوفد وإباحته للعبيد ، فكان ذلك مخصوصا عن العام ، فإنا مجوزون في غير ذلك المقام بالكتاب والسنة ، فالمخصص له حديث عبد الله بن الشخير ، وحديث أنس ، وإجماع القرون الثلاثة ، وأنه من أمور الجاهلية كما سبق ، وأنه بدعة قبيحة ، ولقوله تعالى : { لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ } ( 2 ) . وهذا أبلغ غلو ؛ لأنه يجعل المخلوق مثله مالكا له ، وهو شأن الباري تعالى فإنه مالك الرقاب من غير شراء ، ولقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إياكم والغلو ؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " ( 3 ) ، ولقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " هلك المتنطعون . . . ثلاثا " ( 4 ) وغيرها من الأحاديث . فهذه تسعة حجج مخصصة للعموم المستفاد مما ذكر العلامة وغيره ونحوه ، ولا يمكن أن يراد

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) [ النساء : 171 ، المائدة 77 ] . ( 3 ) تقدم تخريجه . ( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 7 / 2670 ) من حديث عبد الله بن مسعود .