محمد بن علي الشوكاني
5300
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
راجعت الذكر فوجدت التحاب في الله من أصعب الأمور وأشدها ، ووجوده في الأشخاص الإنسانية أعز من الكبريت الأحمر ، فذهب ما تصورته من الاستعظام للجزاء ، وبيان ذلك أن التحاب الكائن بين النوع الإنساني راجع عند إمعان النظر إلى محبة الدنيا ، لا يبعث عليه إلا عرض دنيوي ، فإنك إذا عمدت إلى الفرد الكامل من نوع المحبة وهو محبة الولد لوالده ، والوالد لولده ، وأحد الزوجين للآخر وجدته يؤول إلى محبة الدنيا لزواله بزوال الغرض الدنيوي ، مثلا لو كان لرجل ولد كامل الأدوات والحواس الظاهرة والباطنة وجدته في الإشفاق عليه والمحبة له بمكان تقصر عنه العبارة ؛ لأنه يرجو منه بعد حين أن يقوم بما يحتاج إليه من حوائج الدنيا ، فلو عرض له الموت ، وهو بهذه الصفة حصل مع والده ما نشاهده فيمن مات ولده من الغم والحزن والتحسر والتلهف [ 1 ب ] والبكاء والعويل ، ولكن هذا ليس إلا لذلك الغرض الدنيوي ، ويوضح ذلك هذا أنه لو حصل مع الولد عاهة من العاهات التي يغلب على الظن استمرارها ، وعجز من كانت به عن القيام بأمور الدنيا كالعمى ، والإقعاد ، وجدت والده عند ذلك يعد أيامه من عافيته ، ربما يتمنى موته ، وإذا مات كان أيسر مفقود إن لم يحصل السرور للأب بموته ، فلو كانت تلك المحبة لمحض القرابة مع قطع النظر عن الدنيا لوجدت الاتحاد في الشفقة بين الحالتين ، ولكن الأمر على خلاف ذلك بالاستقراء ، مع أن القرابة لا تزول بزوال البصر مثلا ، إنما الذي زال ما كان مؤملا من النفع الدنيوي ، فكشف ذلك أن المحبوب هو