محمد بن علي الشوكاني
5614
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
هذا البحث ، لا لما ذكره العلم - حفظه الله - من أن الغرض من إيراده بيان أن القيام محمول على القيام في حال القعود ؛ فإنه يأباه لفظ " خرج " المقيد ب " متوكيا " ، المعلق عليه ، فقال : بالفاء التي هي غالبة في الفوز [ 3 ] ، ويشهد له أيضًا حديث : " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار " ( 1 ) فإنه محمول على التعظيم حمل المطلق
--> ( 1 ) تقدم وهو حديث صحيح . قال الخطابي : " . . . وفيه قيام المرءوس للرئيس الفاضل والإمام العادل والمتعلم للعالم مستحب ، وإنما يكره لمن كان بغير هذه الصفات ، ومعنى حديث : " من أحب أن يقام له " أي : بأن يلزمهم بالقيام له صفوفا على طريق الكبر والنخوة . ورجح المنذري الجمع عن ابن قتيبة والبخاري وأن القيام المنهي عنه أن يقام عليه وهو جالس . وقد رد ابن القيم في ( 8 / 85 - حاشية مختصر السنن ) على هذا القول بأن سياق حديث معاوية يدل على خلاف ذلك ، وإنما يدل على أنه كره القيام له لما خرج تعظيما ؛ ولأن هذا لا يقال له القيام للرجل ، وإنما هو القيام على رأس الرجل أو عند الرجل . قال ابن القيم : والقيام ينقسم على ثلاث مراتب : 1 - قيام على رأس الرجل وهو فعل الجبابرة . 2 - قيام إليه عند قدومه ولا بأس به . 3 - قيام له عند رؤيته وهو المتنازع فيه . قال البخاري : وورد في خصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبراني في " الأوسط " رقم ( 6680 ) عن أنس قال : " إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهو قعود " . - وما أخرجه مسلم رقم ( 413 ) من حديث جابر وفيه : " إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهو قعود " . وحكى المنذري قول الطبري : وأنه قصد النهي عن من سره القيام له لما في ذلك من حمية التعاظم ورؤية منزلة نفسه ، ورجح ذلك النووي . وقال النووي في الجواب عن حديث معاوية : أن الأصح والأولى بل الذي لا حاجه إلى ما سواه أن معناه زجر المكلف أن يحب قيام الناس له . وقال : وليس فيه تعرض للقيام بمنهي ولا غيره ، وهذا متفق عليه . قال : والمنهي عنه حمية القيام ، فلو لم يخطر بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا لوم عليه ، فإن أحب ارتكب التحريم ، سواء قاموا أو لم يقوموا . قال : فلا يصح الاحتجاج به لترك القيام . واعتراض ابن الحاج بأن الصحابي الذي تلقى ذلك من صاحب الشرع قد فهم منه النهي عن القيام للذي يقام له في المحذور . فصوب فعل من امتنع من القيام دون من قام ، وأقروه على ذلك . وكذا قال ابن القيم في " حواشي السنن " : في سياق حديث معاوية رد على من زعم أن النهي إنما هو في حق من يقوم الرجال بحضرته ؛ لأن معاوية إنما روى الحديث حين خرج فقاموا له . ثم ذكر ابن الحاج من المفاسد التي تترتب على استعمال القيام أن الشخص صار لا يتمكن فيه من التفصيل بين من يستحب إكرامه وبره ، كأهل الدين والخير والعلم ، أو يجوز كالمستورين ، وبين من لا يجوز كالظالم المعلن بالظلم ، أو يكره كمن لا يتصف بالعدالة وله جاه . فلولا اعتبار القيام ما احتاج أحد أن يقوم لمن يحرم إكرامه أو يكره ، بل جر ذلك إلى ارتكاب النهي لما صار يترتب على الترك من الشر ، وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع ، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام . قال ابن كثير في تفسيره عن بعض المحققين التفصيل فيه فقال : المحذور أن يتخذ ديدنا كعادة الأعاجم كما دل عليه حديث أنس - : " إنما أهلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعود " . وأما إن كان لقادم من سفر أو لحاكم في محل ولايته فلا بأس به . قال الحافظ ابن حجر : ويلتحق بذلك ما تقدم ، كالتهنئة لمن حدثت له نعمة ، أو لإعانة العاجز ، أو لتوسيع المجلس أو غير ذلك . وقال الغزالي : القيام على سبيل الإعظام مكروه ، وعلى سبيل الإكرام لا يكره . " فتح الباري " ( 11 / 53 - 54 ) .