محمد بن علي الشوكاني
5595
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وحينئذ لم يبق لتلك الأسماء فائدة ؛ لأن المقصود منها أن يتميز بها صاحبها عن غيره ، ولم يحصل هذا الذي هو المقصود بها . بل إنما حصل من اللقب ، فكان هو الاسم المميز في الحقيقة ، فلم يكن ذلك من التنابز بالألقاب . [ خاتمة الرسالة ] فاعرف هذا وتدبره ، فإنه نفيس ، وبه يندفع ما تقدم من إيراد ما جرى عليه [ عمل ] ( 1 ) أئمة الرواية . وهكذا يرتفع الإشكال عن القارئ لتلك الكتب ، ولا يقال له : إنه يروي [ الألقاب ] ( 2 ) ، ويغتاب أهلها بقراءتها في كتب السنة .
--> ( 1 ) زيادة من ( أ ) . ( 2 ) في ( ب ) : بالألقاب . قال الغزالي في " الإحياء " ( 3 / 144 ) : اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم ؛ لأن فيه تفهيم نقصان أخيك وتعريفه بما يكره ، فالتعريض به كالتصريح ، والفعل فيه كالقول ، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام . اعرف الأسباب الباعثة على الغيبة تصفو نفسك وتطهر : 1 - أن يشفي الغيظ ، وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه ، فإنه إذا هاج غضبه يشتفي بذكر مساويه ، فيسبق إليه بالطبع إن لم يكن دين وازع ، وقد يمتنع من تشفي الغيظ عند الغضب ، فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقدا ثابتا ، فيكون سببا دائما لذكر المساوي ، فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة . 2 - موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام ، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض غير أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه ، فيساعدهم ويرى في ذلك المعاشرة ، ويظن أنه مجاملة في الصحبة . 3 - أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه ، أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة ، فيبادر قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته ، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده ، فيروج كذبه بالصدق الأول ، ويستشهد ويقول : ما من عادتي الكذب ، فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله ، فكان كما قلت . 4 - أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فبذكر الذي فعله ، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعل ، فلا ينسب غيره إليه ، أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله . 5 - إرادة التصنع والمباهاة ، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره . 6 - الحسد ، وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه ، فيريد زوال تلك النعمة عنه ، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه . 7 - اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك ، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة ، ومنشؤه النكير والعجب . 8 - السخرية والاستهزاء استحقارا له ، فإن ذلك قد يجري في الحضور ، ويجري أيضًا في الغيبة ، ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزئ به ، وهناك أسباب خاصة فهي أغمض وأدق تلك الأسباب ؛ لأنها شرور خبأها الشيطان في معرض الخيرات وفيها خير ، ولكن شاب الشيطان بها الشر . 1 - ) : أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين ، فيقول : ما أعجب ما رأيت من فلان ، فإنه قد يكون صادقا ويكون تعجبه من المنكر ، ولكن كان في حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه ، فيسهل عمل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه ، فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدري . 2 - ) : الرحمة ، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلى به فيقول : مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به ، فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ، ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه فيذكره ، فيصير به مغتابا ، فيكون غمه ورحمته خيرا ، وكذا تعجبه ، ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري ، والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل ثواب الاغتمام وترحمه . 3 - ) : الغضب لله تعالى ، فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه ، فيظهر غضبه أو يذكر اسمه ، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يظهر على غيره أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء . انظر مزيد تفصيل : " إحياء علوم الدين " ( 3 / 108 - 161 ) كتاب آفات اللسان . واعلم أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله " . أخرجه مسلم رقم ( 2564 ) من حديث أبي هريرة . وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 67 ) ومسلم رقم ( 1679 ) عن أبي بكرة أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في خطبته في حجة الوداع : " إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا هل بلغت " . وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 11 ) ومسلم رقم ( 42 ) عن أبي موسى الأشعري قال : قلت : يا رسول الله أي المسلمين أفضل ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " . وأخرج البخاري في صحيحه رقم ( 6474 ) عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ، أضمن له الجنة " . وقد ذكر قوله - عز وجل - : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] .