محمد بن علي الشوكاني
5593
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
والثاني : دليل تحريم التلقيب . فإن كان ذكر ذي اللقب بلقبه في غيبته ، كان الذاكر جامعا بين تحريم الغيبة ، وتحريم التلقيب ، وإن كان ذكر ذي اللقب في وجهه كان الذاكر واقعا في التلقيب [ المحرم ] ( 1 ) . فإن قلت : إذا علمنا أن المذكور بلقبه لا يكره ذكره به . قلت : إذا علمنا ذلك لم يكن غيبة محرمة ؛ لأن الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره ، ولكن الذاكر له بذلك اللقب واقع في مخالفة النهي القرآني المصرح بالنهي عن التنابز بالألقاب كما لا يخفى . فإن قلت : إذا كان [ 6 ب ] ذكره باللقب أقرب إلى تعريفه ، كمن يشتهر بالأعرج والأعمش والأعور ، ونحو ذلك . قلت : هذه الأقربية لا تحلل ما حرمه الله ، فينبغي ذكره [ بالأوصاف ] ( 2 ) التي لا تلقيب فيها ، وإن طالت المسافة وبعدت ، وانظر ما في مثل هذا من الخطر العظيم ، وهو الوقوع في النهي القرآني ، ومما يزيدك [ عن ] ( 3 ) هذا وأمثاله بعدا قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لمن سمعها تذكر امرأة أخرى بأنها قصيرة فقال : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " ( 4 ) والحديث صحيح .
--> ( 1 ) زيادة من ( أ ) . ( 2 ) في ( ب ) : بأوصافه . ( 3 ) في ( ب ) : على . ( 4 ) أخرجه أبو داود رقم ( 4875 ) والترمذي رقم ( 2503 ) وأحمد ( 6 / 189 ) من طريق أبي حذيفة عن عائشة . قال الترمذي حديث حسن صحيح . وهو حديث صحيح . قال الحافظ في " الفتح " ( 10 / 468 - 469 ) أن اللقب إن كان مما يعحب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع ، فهو جائز أو مستحب ، وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه ، إلا إن تعين طريقا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره . ومن ثم أكثر الرواة من ذكر الأعمش والأعرج ونحوهما ، وعارم وغندر وغيرهم ، والأصل فيه قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ركعتين من صلاة الظهر فقال : أكما يقول ذو اليدين . . . وساق بعض ألفاظ الرواية . ثم قال ابن حجر : وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين وفيها : " وفي القوم رجل في يديه طول . قال ابن المنير : أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز ، وإن كان للتنقيص لم يجز . قال : وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها فأشارت بيدها أنها قصيرة . فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اغتبتها " وذلك أنها لم تفعل هذا بيانا ، وإنما قصدت الإخبار عن صفتها ، فكان كالاغتياب " .