محمد بن علي الشوكاني
5581
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الصورة الأولى رجحت أدلة الغيبة ؛ لما تقرر من أن العمومين الواردين على هذه الصورة إن رجح أحدهما على الآخر باعتبار ذاته ، وجب المصير إليه ، وإن لم يرجح باعتبار ذاته وأمكن الترجيح باعتبار أمر خارج ؛ وجب الرجوع إليه . وقد وجد المرجح هنالك باعتبار الأمر الخارجي ، وهو أدلة السنة والإجماع ؛ فإنها أوجبت ترجيح أدلة تحريم الغيبة في تلك الصورة التي وقع فيها التعارض ، على جواز الجهر بالسوء للمظلوم على طريقة [ الاغتياب ] ( 1 ) ، وهاهنا كان الترجيح في صورة التعارض بكون أحد الدليلين ثابتا بالضرورة الدينية دون الآخر ، ولهذا قدمنا لك [ ما قدمنا ] ( 2 ) في فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعرفناك أنه لا شيء من الأمور الدينية يقوم مقامهما ، ولا يغني غناهما . [ الصورة الثالثة : جواز الغيبة للمستفتي ] . وأما الصورة الثالثة : وهي جواز الغيبة للمستفتي : فأقول : لا يخفاك أن أدلة تحريم الغيبة ثابتة بالكتاب ، والسنة ، والإجماع كما قدمنا ، فصار تحريمهما من هذه الحيثية من قطعيات الشريعة ، وليس في تسويغها للمستفتي إلا سكوته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عن الإنكار على هند لما قالت له : " إن أبا سفيان رجح شحيح " ( 3 ) ، وهذا السكوت الواقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عند سماع الغيبة من امرأة [ حديثة ] ( 4 ) عهد بجاهلية لرجل حديث عهد بجاهلية ، مع كونه في
--> ( 1 ) في ( ب ) الاعتبار ( 2 ) زيادة من ( أ ) . ( 3 ) تقدم تخريجه وهو حديث صحيح . قال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 509 ) واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة . ( 4 ) في ( ب ) حديث .