محمد بن علي الشوكاني
5554
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أطاعوا فذاك ، وإن أبوا خرجوا كرها شاءوا أم أبوا . فحرمة هذا البيت العظيم فوق كل حرمة ، وشرفه الله فوق كل شرف ، وهؤلاء المسؤول عنهم إن كانوا على الصفات المذكورة فليسوا من القوم الذي ينزلون بهذا البيت العظيم ، ولا هم من الوفد الذين يقفون فيه بل هم من الهاتكين لحرمته التي عظمها الله ، المانعين لمن وفد إليه من عباده ، وهل يعد التقذير بالنجاسات ، وكشف العورات من عمل يخالف تلك الحرمة ، وينافي تلك العظمة ، ويضاد ذلك الشرف ، وينافي تلك الجلالة ولو لم يكن من أفعال هؤلاء إلا تصغير حرمة البيت الحرام عند القاصدين له من أقطار المعمورة ، فإنها داره عند وفوده إليه ، ووقوفه بأبوابه ، وهو على تلك الصفات قد احتجز أكثر أمكنته هؤلاء المقذرة ثيابهم ، البادية سوآتهم ، ورأى فيه النجاسات والقاذورات ، وسمع صراخهم وعويلهم حتى كأنهم في سوق من الأسواق ، أو حمام من الحمامات ، وكان هذا الوافد من أطراف الأرض من عوام أهلها ، فمعلوم لكل عاقل أنه يقع في خاطره ، ويثبت في تصوره غير ما كان يعتقده ، ودون ما كان يسمعه . وهذه مفسدة عظيمة تقتضي وحدها تنزيه البيت عنهم إذا لم يتركوا ما صاروا فيه من التلاعب [ 2 ب ] بهذه الحرمة العظيمة ، والتهاون بهذه المزية الشريفة . فإن قال قائل : لهم حرمة . قلنا : أي حرمة إن كان فعله هذا الفعل في أشرف بقاع الأرض ، ولو سلمنا الحرمة لكانت حرمة البيت أعظم من حرمتهم ، وما حصل فيه من هتك حرمته ، وتصغير عظمته ، ومنع الوافدين - إلى بيت الله الكريم - من الطاعات ، تارة بالحجز لأمكنته ، وتارة برفع الأصوات المشوشة لكل مصل فيه أعظم وأطم مما حصل فيهم من الإخراج منه إذا لم يمتثلوا للوقوف فيه على ما يسوغه الشرع ، ويجوزه الدين . ومعلوم أن التسوية التي أثبتها الله للحرم الشريف ، والمسجد المعظم بقوله : ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) ( 1 ) لم يرد بها التسوية بين الطاعة والمعصية في الحق والباطل ،
--> ( 1 ) [ الحج : 25 ]