محمد بن علي الشوكاني
5486
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
البخاري ( 1 ) وغيره ( 2 ) ما لفظه : " يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، الصوم لي وأنا أجزي به " فهذا قد أفاد أنه لما ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه عز وجل ، كان الصوم له أي : لأجله من غير نفع له في ذلك ، بل كان النفع للصائم لما ترك طعامه وشرابه وشهوته لأجل ربه ، لأن ذلك هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده بقوله : { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } ( 3 ) . فليس بين هذا الحديث القدسي الذي نحن بصدد شرحه ، وبين الحديث القدسي الذي في الصيام تعارض ، فافهم هذا . فإن قلت : قد ثبت في صحيح مسلم ( 4 ) من حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " ليس أحد أحب إليه المدح من الله تعالى ، من أجل ذلك مدح نفسه ، وليس أحد أغير من الله تعالى ، من أجل ذلك حرم الفواحش ، وليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى ، من أجل ذلك أنزل الكتاب وبعث الرسل " . قلت : لا تلازم بين كون الشيء محبوبا وكون لمن حصلت له محبة له نفع فيه ! فقد يحب الإنسان صفات الخير ، وإن كان لا نفع له فيها ، ولا ضرر عليه في تركها ، كما يجده كل عاقل عند ظهور الخصال المحمودة المطابقة لمنهج الشرع كالعدل ، وظهور السنن وارتفاع البدع ، وإنما أحب ذلك سبحانه لأن مدحه من عباده هو الشكر له على ما أفاضه عليهم من النعم ، وذلك من أعظم ما يتقربون به إليه ، ويتوسلون به إلى مرضاته ، فيحصل لهم بذلك الفوز بالنعيم الأبدي ، والخير الأخروي ، ولهذا طلب سبحانه منهم
--> ( 1 ) في صحيحه رقم ( 1894 ) . ( 2 ) كمسلم رقم ( 1151 ) . ( 3 ) [ البينة : 5 ] . ( 4 ) في صحيحه رقم ( 32 / 2760 ) . وأخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 4634 ) وأحمد ( 1 / 381 ) .