محمد بن علي الشوكاني

5285

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

لا يكون لإخوة النسب [ 2 ب ] ، فيجهد كل واحد منهما في تحصيل نفع أخيه بما لا يبلغ إليه الشقيق في النسب ، ومن ذلك المواساة من كل واحد منهما للآخر بما تملكه يده ، والتعاضد في تحصيل مواد العيش . وقد يتناوبان في أمور الدين والدنيا فيسعى أحدهما في تحصيل علم الشرع يوما ، والأخر في تحصيل أمور المعاش يوما ، كما ثبت في الصحيح ( 1 ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتناوب هو وأخوه الأنصاري في الذهاب إلى حضرة النبوة يوما فيوم ، فيأتي من نزل منهما الحضرة المصطفوية بما حدث فيها من الأخبار والشرائع ، ويقوم الآخر في ذلك اليوم بما يحتاجان إليه من أمور الدنيا ، ومن أعظم الفوائد وأجل المقاصد أنه يحصل بهذه المؤاخاة المودة الخالصة ، والتحاب الصحيح ، وقد ثبت عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " أن المتحابين في الله على منابر من نور يوم القيامة " ( 2 ) فلو لم يكن من فوائد هذه الأخوة إلا هذه الفائدة فكيف ولها من فوائد الدين والدنيا ما لا يخفى على عاقل ! وقد أوضحنا بعضه . وأما قول السائل - عافاه الله - : وما الفرق بين الإخاء والحلف ( 3 ) ؟

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 89 ) معلقا وأطرافه : [ 2468 ، 4913 ، 4915 ، 5191 ، 5218 ، 5843 ، 7256 ، 7263 ] من حديث عبد الله بن عباس ، عن عمر قال : كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينزل يوما ، وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك . . . " . ( 2 ) أخرجه الترمذي في " السنن " رقم ( 2390 ) من حديث معاذ بن جبل قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " قال الله عز وجل : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء " . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح : وهو حديث صحيح . انظر الرسالة الآتية رقم ( 175 ) . ( 3 ) قال ابن الأثير في " النهاية " ( 1 / 424 - 425 ) أصل الحلف : المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا حلف في الإسلام " أخرجه البخاري رقم ( 6083 ) من حديث أنس بن مالك . وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الرحم كحلف المطيبين وما جرى مجراه ، فذلك الذي قال فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " - أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 206 / 2530 ) من حديث جبير بن مطعم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " - يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق وبذلك يجتمع الحديثان وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام . والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام . وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا حلف في الإسلام " قاله زمن الفتح فكان ناسخا ، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رضي الله عنه من المطيبين ، وكان عمر رضي الله عنه من الأحلاف والأحلاف ست قبائل : عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم سموا بذلك لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجامة والرفادة واللواء والسقاية ، وأبت عبد الدار ، عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ، فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعتها لأحلافهم وهم أسد ، وزهرة ، وتيم ، في المسجد عند الكعبة ، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا ، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفا آخر مؤكدا فسموا الأحلاف لذلك . وقد أخرج أحمد في " المسند " ( 1 / 190 ، 193 ) وأبو يعلى في مسنده رقم ( 846 ) وابن حبان في صحيحه رقم ( 4373 ) والحاكم ( 2 / 219 - 220 ) والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 6 / 366 ) وفي " الدلائل " ( 2 / 37 - 38 ) والبخاري في " الأدب المفرد " رقم ( 567 ) عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شهدت غلاما مع عمومتي حلف المطيبين ، فما أحب أن لي حمر النعم ، وإني أنكثه " . وهو حديث صحيح . قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 482 - 483 ) : قوله : " لا حلف في الإسلام " أي : لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية يتحالفون ، وذلك أن المتحالفين : كانا يتناصران في كل شيء ، فيمنع الرجل حليفه ، وإن كان ظالما ، ويقوم دونه ، ويدفع عنه بكل ممكن ، فيمنع الحقوق ، وينتصر به على الظلم والبغي ، والفساد ، ولما جاء الشرع بالانتصاف بالحدود ، وبين الأحكام أبطل ما كانت الجاهلية عليه ممن ذلك ، وبقي التعاقد والتحالف على نصرة الحق ، والقيام به ، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر عليه من المكلفين .