محمد بن علي الشوكاني

5465

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

عمر ( 1 ) ! عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قال : " من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا إشراف فليتوسع به في رزقه ، فإن كان غنيا فليوجهه إلى من هو أحوج إليه منه " . قوله : " يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم " . هذه العبارة الرحمانية ، والكلام الصمداني ، تشمل كل فرد من أفراد العباد ، لما قدمنا من أن إضافة العباد إلى ضمير الرب سبحانه يفيد العموم ، ويزداد ذلك تأكيدا بقوله : " كلكم " ثم بالاستثناء المشعر بعموم المستثنى منه ، فالمعنى كل فرد من أفرادكم عار عن اللباس إلا من كسوته . ثم طلب عز وجل منهم أن يطلبوا منه أن يكسوهم فقال : " استكسوني " ، ثم أخبرهم بأنه يجيب هذا الطلب الواقع منهم فقال : " أكسكم " . ومن أمعن النظر في هذه الفواصل المذكورة في هذا الحديث علم ما عند الرب سبحانه من الرحمة لعباده ومزيد اللطف بهم ، فإنه بين لهم ما بهم من مزيد الحاجة إلى عطائه الجم وتفضله العم في أعظم ما تدعوهم الحاجة إليه وهو الطعام الذي لا يعيشون بدونه ، وأمرهم أن يطلبوه منه ، وتكفل لهم بالإجابة وإعطائهم ما يطلبونه ، ثم ذكر لهم ما لا بد لهم منه من ستر أبدانهم بالكسوة التي لولا وجودها لهم لانكشفت عوراتهم وأضر بهم البرد ، وأنه الكاسي لهم والمتفضل بذلك عليهم ، ثم أمرهم تفضلا منه لهم ولطفا بهم أن يطلبوا ذلك منه ، ووعدهم بالإجابة لدعوتهم والتفضل منه لهم لحاجتهم ، وهذا بعد أن نهاهم عن التظالم في ذات بينهم ، بعد أن أخبرهم أنه حرم الظلم على نفسه ؛ ليقتدوا به عز وجل في تجنب هذه الخصلة القبيحة التي تفسد معايشهم ؛ وتبطل بها أحوالهم

--> ( 1 ) كذا في المخطوط ، والصواب ( عمرو ) كما في مصادر الحديث .