محمد بن علي الشوكاني

5457

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

[ وجوب التوكل على الله سبحانه وتعالى مع الأخذ بالأسباب ] قوله : " يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم " . أقول : هذا الكلام الإلهي قد أفاد شمول كل عبد من عباد الله كما بيناه قريبا ، فلا يوجد عبد من عباده سبحانه إلا والمطعم له هو الله عز وجل ، ولو فرض - فرضا لا حقيقة - أن عبدا من عباده لم يطعمه فهو جائع ، ولكنه عز وجل قد أطعم الكل من غير فرق بين مسلم وكافر ، وذكر وأنثى ، وصغير وكبير ، وحر وعبد ، وكل ما توصل به العباد من الأسباب التي يتحصل بها الرزق في الصورة فهي من الله عز وجل ؛ لأنه خالق العبد وموجده ، فلولا أنه خلقه وأوجده لم يكن لشيء من تلك الأسباب وجود . ثم بعد إيجاده للعبد جعل له ما يباشر به تلك الأسباب ، من صحة الجوارح والحواس ، وسلامتها من الآفة التي تبطل عملها ، فلو كان غير قادر على تحريك جوارحه كالمصاب بإقعاد أو شلل لم يتمكن من تلك الأسباب ، وهكذا لو كان مسلوب الحواس الظاهرة أو الباطنة ، أو مسلوب العقل لم يتمكن من شيء من تلك الأسباب ، وهذا لو كان سليم الروح والحواس والعقل ولكنه معتلا بمرض لا يتمكن معه من تلك الأسباب لم يحصل له شيء منها فهو سبحانه المعطي والرازق والمطعم ، فمن لم يطعمه الله فهو جائع ، ومن لم يستطعم الله فهو غير طاعم . وفي قوله : " فاستطعموني أطعمكم " إرشاد للعباد أن يسألوا ربهم عز وجل ويطلبوا الرزق منه . وقد أخرج أبو داود ( 1 ) ، والترمذي ( 2 ) وصححه من حديث ابن مسعود قال : قال

--> ( 1 ) في " السنن " رقم ( 1645 ) . ( 2 ) في " السنن " رقم ( 2326 ) . وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب . وهو حديث حسن .