محمد بن علي الشوكاني

5380

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ومادة افتراق الصبر هي فيما عدا هذه الصورة من صور الصبر التي قدمنا بها ، ومادة افتراق الحلم هي أيضًا فيما عدا هذه الصورة من صور الحلم التي قدمنا بها ، ولا ينافي هذا التقرير ما قدمنا عن أهل اللغة في تفسير صبور الذي هو من أسماء الله - سبحانه - ، فإن الموجب لتخصيصه بذلك المعنى الخاص هو عدم جواز إطلاقه على الله - سبحانه - بمعنى يخالف هذا المعنى . فإن قلت : إذا كانت النسبة بين الصبر والحلم هي العموم والخصوص من وجه ، فهل تصح هذه النسبة بينهما على ما نقله صاحب التعريفات في كلامه السابق من أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله ، والحلم الطمأنينة عند سورة الغضب ( 1 ) ؟ قلت : النسبة التي ذكرناها هي باعتبار المفهوم اللغوي المنقول في كتب اللغة ، وكلام التعريفات لا يبعد أن يمكن فيه مثل هذه النسبة ، فإن ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله قد يكون الترك مع وجود سبب في البلوى يوجب الغضب ، فيكون حلما ، وقد يكون مع وجود سبب للشكوى لا يوجب الغضب كالمرض ونحوه فلا يكون حلما ، وقد يكون الحلم عند الغضب بترك الشكوى إلى الغير مع وجود سبب يقتضي الجزع ، فيكون ذلك صبرا . وقد يكون الحلم بحصول الطمأنينة عند سورة الغضب مع حصول الشكوى على الغير فلا يكون ذلك صبرا ، فكان بينهما من هذه الحيثية عموم وخصوص من وجه ، فقد كانت هذه النسبة [ 1 ب ] بين المعنيين الاصطلاحيين كما كانت بين المعنيين اللغويين ( 2 ) . فإن قلت : فما النسبة بين معنى الصبر عند أهل اللغة ، وبين معناه على كلام صاحب التعريفات ؟ قلت : العموم والخصوص المطلق ، فإن الصبر عند أهل اللغة بترك الجزع ، سواء كان

--> ( 1 ) انظر بداية الرسالة . ( 2 ) قال القرطبي في " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " ( 1 / 94 ) : " والصبر داخل تحت الحلم ، إذ كل حليم صابر " .