محمد بن علي الشوكاني
5373
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الحمد لله وبعد : فهذا الجواب من العلامة المحقق محمد بن علي الشوكاني - كثر الله إفادته - لما سألته : هل الصبر والحلم متلازمان ؟ وأيهما أفضل ؟ فقال : الجواب - بمعونة الوهاب - أن معنى الصبر لغة نقيض الجزع ( 1 ) ، وقال الشريف في التعريفات ( 2 ) : الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلا إلى الله تعالى ، لأن الله أثنى على أيوب بالصبر بقوله : { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ } ( 3 ) مع دعائه في دفع الضر عنه بقوله : { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ( 4 ) فعلمنا أن العبد إذا دعى الله في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره ، لئلا يكون كالمقاومة مع الله ، ودعوى التحمل لمشاقه ، قال الله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } ( 5 ) فإن الرضى بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى . . . . . . . . . . . . .
--> ( 1 ) انظر " لسان العرب " ( 7 / 276 ) . وقال الراغب الأصبهاني في " مفردات ألفاظ القرآن " ( ص 474 ) : الصبر : الإمساك في ضيق يقال : صبرت الدابة حبستها بلا علف . الصبر : حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع ، أو عما يقتضيان حبسها عنه . فالصبر لفظ عام ، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه فإن كان حبس النفس لمصيبة سمى صبرا لا غير . ويضاده الجزع . وإن كان في محاربة سمي شجاعة ويضاده الجبن . وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر . ويضاده الضجر . وإن كان إمساك الكلام سمى كتمانا ويضاده المذل . وقد سمى الله كل ذلك صبرا ونبه عليه بقوله : " وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ " [ البقرة : 177 ] . " وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ " [ الحج : 35 ] . انظر : " مجاز القرآن " ( 1 / 64 ) ، " معاني القرآن وإعرابه " للزجاج ( 1 / 245 ) . ( 2 ) ( ص 136 ) . ( 3 ) [ ص : 44 ] . ( 4 ) [ الأنبياء : 83 ] . ( 5 ) [ المؤمنون : 76 ] . قال ابن القيم في " عدة الصابرين " ( ص 33 ) : " والتحقيق أن في الصبر معاني ثلاثة : المنع والشدة والضم ، ويقال صبر إذا أتى بالصبر ، وتصبر إذا تكلفه واستدعاه ، واصطبر إذا اكتسبه وتعلمه وصابر إذا وقف خصمه في مقام الصبر ، وصبر نفسه وغيره بالتشديد إذا حملها على الصبر : واسم فاعل صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة . . . " . حقيقة الصبر : قيل حقيقة الصبر فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل ، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها . قال الجنيد بن محمد : الصبر : تجرع المرارة من غير تعبس . وقال ذو النون : الصبر " التباعد عن المخالفات ، والسكوت عند تجرع غصص البلية ، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة " . وقيل : الصبر هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى . انظر : " عدة الصابرين " ( ص 34 - 35 ) .