محمد بن علي الشوكاني

3321

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ويسترق نساءهم وأطفالهم من دون أن يسأل كل فرد فرد أو ينقل له ذلك عن كل شخص شخص ، وليس ذلك إلا لأن الاعتبار بما ظهر من دون معارضة ولا مفارقة ، وإذا اعتبر الشارع مثل هذا في ترتيب إباحة الدماء والأموال عليه وليس هو إلا مجرد اتحاد كلمتهم في الظاهر لجري القوانين بمثل ذلك فجواز ما هو أخف من ذلك بالأولى ، وهذا وإن كان يرى في الظاهر أجنبيا عن محل السؤال فهو نافع عند من يعقل المناطات الشرعية ، وقد ثبت أن العباس يوم بدر لما قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أنه خرج مع القوم مكرها فقال له - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إن ظاهرك كان علينا ( 1 ) ثم لم يعذره من تسليم الفداء فانظر يف ألحقه بالقوم الذين خرج معهم ورتب على ذلك أخذ الفداء منه . ومثل ذلك ما ثبت عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أنه هم بصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ( 2 ) وفيهم من يملك الكثير وفيهم من لا يملك القطمير ما ذاك إلا لأنهم

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) قال ابن هشام في " السيرة " ( 3 / 310 - 311 ) " فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم ، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، وإلى الحارث بن عوف بن أبي خارثة المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار الدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك ، فلما أراد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفعل ، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه فقالا له : يا رسول الله ، أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به ، لا بد لنا من لعمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنك من شوكتهم إلى أمر ما ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالنا والله ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فأنت وذاك فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا علينا " . " السيرة النبوية " ( 3 / 310 - 311 ) . " الطبقات " لابن سعد ( 2 / 73 ) .