محمد بن علي الشوكاني
3300
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فتخصصت هذه العمومات بحديث الأوسق ( 1 ) ، ثم تخصص حديث الأوسق بأحاديث أخر ، منها ما قد انحصر كحديبث الشعبي : كتب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن : " إنما الصدقة في الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب " قال البيهقي ( 2 ) : هذه الأحاديث توكد بعضها بعضا . قلت : لأن في الباب غير هذا ، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده : " إنما سن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الزكاة في الحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب " ( 3 ) زاد ابن ماجة ( 4 ) ( والذرة ) ، وفيه العرزمي متروك ، ورواه البيهقي ( 5 ) من طريق مجاهد ، ومن طريق الحسن : لم يفرض النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الصدقة إلا في عشرة ، فذكر الخمسة ، وساق الحديث . قال الجلال ( 6 ) : قلت : وهي كافية في تخصيص العمومات ، للأدلة ، ثم قال ما معناه : إن المخصصات لم تبق معها للتعميم رمقا ، فمن هذا يؤخذ أن الخاص قد رفع العموم ، وأنه بمنزلة النسخ في نقص الأحوال ، ولا يسلم أن تكون كلية ، والله أعلم ( 7 ) .
--> ( 1 ) منها : ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 980 ) والنسائي ( 5 / 36 ) وابن خزيمة ( 4 / 34 - 35 رقم 2298 ، 2299 ) عن جابر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة " . وهو حديث صحيح . ( 2 ) في " السنن الكبرى " ( 4 / 126 ) . ( 3 ) تقدم تخريجه وهو حديث ضعيف جدا . ( 4 ) في " السنن " رقم ( 1815 ) ولفظ الذرة منكرة . انظر : " الإرواء " ( 801 ) . ( 5 ) في " السنن الكبرى " ( 4 / 126 ) . ( 6 ) في " ضوء النهار " ( 2 / 310 ) . ( 7 ) قال الأمير الصنعاني في " سبل السلام " ( 4 - 33 - 34 ) فالجمهور أن حديث الأوساق مخصص لحديث سالم - تقدم تخرجه وهو حديث صحيح - وأنه لا زكاة فيما لم يبلغ لخمسة الأوساق ، وهب جماعة منهم زيد بن علي وأبو حنيفة إلى أنه لا يخص بل يعمل بعمومه ، فيجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره ، والحق مع أهل القول الأول لأن حديث الأوساق حديث ورد لبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة كما ورد حديث مائتي الدرهم لبيان ذلك مع ورود : " في الرقة ربع العشر " . وهو حديث صحيح . ولم يقل أحد : إنه يجب في قليل الفضة وكثيرها الزكاة ، وإنما الخلاف هل يجب في القليل منها إذا كانت قد بلغت النصاب كما عرفت ، وذلك لأنه لم يرد حديث : " في الرقة ربع العشر " إلا لبيان أن هذا الجنس يجب فيه الزكاة ، وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث التبيين له بمائتي درهم ، فكذا هنا قوله : " فيما سقت سقت السماء العشر " أي في هذا الجنس يجب لعشر ، وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث الأوساق ، وزاده إيضاحا قوله في الحديث : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " كأنه ما ورد لدفع ما يتوهم من عموم : " فيما سقت سقت السماء ربع العشر " كما ورد ذلك في قوله : " وليس فيما دون خمسة أواقي من الورق صدقة " ثم إذا تعارض العام والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ كما هنا ، فإنه أظهر الأقوال في الأصول . قال صحب " الكوكب المنير " ( 3 / 382 ) إذا ورد عن الشارع لفظ عام ولفظ خاص ، قدم الخاص مطلقا ، أي سواء كانا مقترنين ، مثل ما لو قال في كلام متواصل : اقتلوا الكفار ، ولا تقتلوا اليهود ، أو يقول : زكوا البقر ، ولا تزكوا العوامل ، أو كانا غير مقترنين ، سواء كان الخاص متقدما أو متأخرا ، وهذا هو الصحيح لأن تقديم الخاص عملا بكليهما ، بخلاف العكس فكان أولى . وانظر مزيد تفصيل في " البحر المحيط " ( 3 / 407 - 410 ) ، " اللمع " ( ص 20 ) ، " إرشاد الفحول " ( ص 536 - 540 ) . وقد تقدم ذكر شروط بناء العام على الخاص .