محمد بن علي الشوكاني
3734
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فيه إضرار به ، والإضرار ممنوع ، فكما لا يجوز الإضرار بجاره لا يجوز الإضرار به ، فإن منعه من الانتفاع بملكه إضرار به ، لأنا نقول : إنما يكون إضرارا به لو فرضنا أنه يمكنه الانتفاع بملكه بوجه من الوجوه إلا بإضرار جاره ، وليس الأمر كذلك فإنه يمكن الانتفاع بالملك بمنافع عدة ، كالزرع ، وغرس ما لا يضر من الغروس . وعلى فرض أنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذلك الوجه الذي يضر بجاره فهاهنا قد تعارض أمران : أحدهما : جلب مصلحة المالك . والثاني : دفع المفسدة عن الجار . ودفع المفاسد أهم من جلب المصالح وأقدم ، كما تقرر في الأصول ، فإنه لا يلتفت إلى جلب المصلحة إلا إذا كانت خالية عن مفسدة ، لا إذا كانت مشوبة بها ؛ فلا يجوز تسويغها ، ولكن هذا الأمر الذي ذكرناه وهو منع الغارس من غرس ما يضر بجاره مبني على أنه لا يمكن دفع الضرر إلا بترك الغرس ، أما لو أمكن دفعه بأن يجعل الغارس خندقا في ملكه يمنع سراية أصول الغروس وفروعها ، أو بأن يعمر جدارا مثلا من حجر ، ويحفر لأساس البناء مقدارا يمنع من السراية فهاهنا قد اندفع الضرار ، فيجوز الغرس . أما لو كانت الأرض لا ينتفع بها إلا بالغرس فقط ، ولا يمكن الانتفاع بها بغيره فلا ضرار ممن غرس في أرضه ، لأنه وإن كان سيسري من عروق غروسه إلى أرض جاره فقد يسري إلى أرضه من عروق غروس جاره مثل ما يسري إلى أرض الجار فلا إضرار . فإن كانت الأرض تصلح للغرس ولغيره يتمكن اعتبار الأغلب ، فإن كان الأغلب في تلك الأرض من المالكين لها هو الغرس لا يمنع الغارس ، لأنه جرى على حكم الغالب ، ومن جرى على ذلك لم يكن متعديا ، والذي لم يجر على الغالب كمن يزرع ملكه في أرض تعتاد الغرس فقد رضي بإدخال الضرر على نفسه ، فأما دفع ما يسري إلى ملكه بأن يجعل لنفسه خندقا ، أو جدار في ملكه يمنع من سريان العروق إليه ، أو صبر على ما يرد على أرضه من ذلك ، أو جرى عليه حكم الغالب ، وترك زرع أرضه ، ويغرسها كغيره .