محمد بن علي الشوكاني

3726

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

لفظ الأرض ، ويتناوله هذا الاسم ، ولا ريب أنه يصدق على باطن الأرض كما يصدق على ظاهرها ، ولم يأت في لغة العرب ولا في اصطلاحات الشريعة المطهرة أن هذا الاسم يصدق على جزء من الأرض ، وهو ظاهرها دون غيره من الأجزاء . ومن زعم ذلك فقد جاء بما لا يفيده عقل ولا شرع ، ولا لغة ، ولا عرف عام ولا خاص . ولا يرتاب من يفهم كلام العرب أن الضمير قد عاد من قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فهي له إلى الأرض التي وقع عليها الإحياء المذكور في أول الحديث ، ووزان هذا الكلام قول القائل : من دخل الدار فهي له ؛ فإن هذا التركيب يفيد أن الدار بجميع أجزائها تصير ملكا للداخل بمجرد الدخول ، ومن زعم أنه لا يملك إلا الموضع الذي قعد فيه من الدار ، أو وضع قدمه عليه فقد أخطأ خطأ بينا ، وجاء بما لا تعرفه العرب ، ولا تفهمه ، وهكذا قول القائل : من مثل بعبده عتق عليه ؛ فإنه إذا أوقع على بدن العبد ما يصدق عليه أنه مثله صار العبد كله حرا ، ومن زعم أنه لا يعتق إلا الموضع الذي وقعت فيه المثلة عليه فقد افترى على لغة العرب ، وعلى قواعد الشريعة ما ليس منهما ، وهكذا كل تركيب من التراكيب العربية المؤدية لمثل ما ذكرناه ، وهي كثيرة لا يحيط بها الحصر ، وليس المراد إلا بيان ما أردناه ، وتقرير دلالة الدليل الذي سقناه على وجه لا يبقى فيه شك ولا شبهة . ومما يدل على ما ذكرناه من ملك التخوم الحديث المتفق عليه ( 1 ) عن عائشة أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : قال : " من ظلم شبرا من الأرض يطوقه الله من سبع أرضين " ، وأخرج نحوه الشيخان ( 2 ) أيضًا من حديث سعيد بن زيد . وأخرجه أيضًا أحمد ( 3 ) ومسلم ( 4 ) من حديث أبي هريرة .

--> ( 1 ) البخاري في صحيحه ( 2425 ) ومسلم رقم ( 142 / 1612 ) . ( 2 ) البخاري في صحيحه رقم ( 2452 ) ومسلم رقم ( 137 / 1610 ) . ( 3 ) في " المسند " ( 2 / 387 - 388 ) . ( 4 ) في صحيحه رقم ( 141 / 1611 ) .