محمد بن علي الشوكاني
3696
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
قال : " الشريك يشفع والشفعة في كل شيء " . فهذه الأحاديث وما ورد في معناها ليس فيها إلا أن الشفعة ثابتة في الأشياء المشتركة . ومثلها في الأدلة الواردة في إثبات الشفعة في الشيء الذي لم يقسم ، كحديث جابر عند البخاري ( 1 ) ، وأحمد ( 2 ) ، وأبي داود ( 3 ) ، وابن ماجة ( 4 ) : " أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قضى بالشفعة في كل مال لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق فلا شفعة " وفى رواية الترمذي ( 5 ) ، وصححها قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " ؛ فإنه يفيد أن الشفعة لا تثبت إلا مع بقاء الشركة قبل وقوع القسمة ( 6 ) .
--> ( 1 ) في صحيحه رقم ( 2257 ) . ( 2 ) في " المسند " ( 3 / 296 ) . ( 3 ) في " السنن " رقم ( 3514 ) . ( 4 ) في " السنن " ( 2499 ) . ( 5 ) في " السنن " ( 1370 ) . ( 6 ) قال في " المغني " ( 7 / 435 - 436 ) : والشفعة وهي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه وهي ثابتة وبالسنة والإجماع . أما السنة فقد تقدم من حديث جابر . وأما الإجماع فقد قال ابن المنذر في " الإجماع " ( ص 121 رقم 512 ) : أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم ، فيما بيع من أرض أو حائط . والمعنى في ذلك أن أخذ الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه ، وتمكن من بيعه لشريكه ، وتخليصه مما كان يصده من توقع الخلاص والاستخلاص ، فالذي يقتضيه حسن العشرة ، أن يبيعه منه ، ليصل إلى غرضه من نصيب بيعه ، وتخليص شريكه من الضرر فإن لم يفعل ذلك ، وباعه لأجنبي ، سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه ، ولا نعلم أحدا خالف هذا . وانظر : " المفهم " ( 4 / 523 - 524 ) . قال ابن قدامه في " المغني " ( 7 / 436 ) : فلا تثبت إلا بشروط أربعة : 1 - أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم ، فأما الجار فلا شفعة له . وبه قال عمر ، وعثمان ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، ويحيى الأنصاري . وأبو الزناد وربيعه ، والمغيرة بن عبد الرحمن ومالك الأوزاعي , والشافعي , وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن المنذر ، قال ابن شبرمة ، والثوري ، وابن أبي ليلي ، وأصحاب الرأي : الشفعة بالشركة ثم بالشركة في الطريق ، ثم بالجوار ، وقال أبو حنيفة : يقدم الشريك فإن لم يكن ، وكان الطريق مشتركا . كدرب لا ينفد ، تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب ، فإذا لم يأخذوا ، ثبتت للملاصقة من درب إلى آخر خاصة . واحتجوا بما روى أبو رافع : " الجار أحق بصقبه " تقدم . قال ابن قدامة : ولنا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطوق فلا شفعة " تقدم تخريجه . 2 - أن يكون المبيع أرضا ، لأنها التي تبقي على الدوام , ويدوم ضررها ، وأما غيرها فيقسم قسمين : أ - تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض ، وهو البناء والغراس يباع مع الأرض فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض ، بغير خلاف في المذهب ، ولا نعرف فيه بين من أتت الشفعة خلافا . وقد دل عليه قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقضاؤه بالشفعة في كل شرك لم يقسم ، ربعة أو حائط " وهذا يدخل فيه البناء والأشجار . ب - ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا لا مفردا ، وهو الزرع والثمرة الظاهرة تباع مع الأرض . فإنه لا يؤخذ بالشفعة من الأصل . وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك : يؤخذ ذلك بالشفعة مع أصوله ، لأنه متصل بما فيه الشفعة ، فيثبت فيه الشفعة تبعا كالبناء والغراس . ولما أنه لا يدخل في البيع تبعا ، فلا يؤخذ بالشفعة ، كقماش الدار وعكسه البناء والغراس وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضي المشتري ، فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة ، كالطلع غير المؤبر ، دخل في الشفعة ، لأنها تتبع في البيع ، فأشبهت الغراس في الأرض . وأما ما بيع مفردا من الأرض ، فلا شفعة فيه سواء كان مما ينقل كالحيوان والثياب والسفن والتجارة والزرع والثمار ، أو لا يقل ، كالبناء والغراس إذا بيع مفردا . وبهذا قال الشافعي ، وأصحاب الرأي . 3 - الشرط الثالث : أن يكون المبيع مما يمكن قسمته ، فأما ما لم يكن قسمته من العقار ، كالحمام الصغير والرحى الصغيرة ، والعضادة والطريق الضيقة والعراص الضيقة فعن أحمد فيها روايتان : أ - لا شفعة فيه ، وبه قال يحيى بن سعيد ، وربيعة ، والشافعي . ب - فيها الشفعة ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، وابن سريج . وعن مالك كالروايتين ، ووجه هذا عموم قوله عليه السلام : " الشفعة فيما لا يقسم " وسائر الألفاظ العامة . لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة ، والضرر في هذا النوع أكثر ، لأنه يتأيد ضرره . 4 - الشرط الرابع : أن يكون الشقص متنقلا يعوض ، وأما المتنقل بغير عوض ، كالهبة بغير ثواب ، والصدقة ، والوصية ، والإرث ، فلا شفعة فيه ، في قول عامة أهل العلم . انظر مزيد من التفصيل : " المغني " ( 7 / 442 - 445 ) . " المفهم " ( 4 / 524 - 525 ) . " المجموع " ( 15 / 80 ) .