محمد بن علي الشوكاني
3270
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
والظاهر من لغة العرب ، ومن اصطلاح الشرع أن ما صرح الشارع بنفي صحته ، أو بنفي جوازه ، أو بنفي قبوله ، فهو غير معتد به , ولا عتبر ، ولا مسقط للطلب ، وهكذا ما صرح الشارع بنفيه كقوله مثلا " لا صلاة لمن فعل كذا ، أو لا صلاة لمن ترك كذا " إذا لم يرد ما يفيد صرف ذلك النفي إلى الفضيلة والكمال ، فإن الظاهر أن هذا النفي يتوجه إلى الذات الشرعية ، ولا اعتبار بالذات الموجودة في الخارج ، لأنها ذات غير شرعية . وبهذا يتضح لك عدم صحة قول من قال : إن النفي لا يصح أن يتوجه إلى الذوات ، لأنها قد وجدت في الخارج ، بل إنما يتوجه إلى الصحة أو إلى الكمال ، وهما مجازان ، وأقرب المجازين توجهه إلى الصحة ، لأنه يلزم من عدمها عدم صحة الذات ، وإنما قالوا هكذا لأنهم ظنوا أن الذات إذا قد وجدت في الخارج لم يصح نفيها . ونحن نقول : ليس هذا النفي متوجها إلى مطلق الذات حتى ينافي وجود الذات في الخارج . بل هو متوجه إلى الذات الشرعية وهي لم توجد في الخارج ، وإنما وجد في الخارج ذات غير شرعية . نعم ومن جملة ما يفيد عدم الصحة الشرعية النهي عن فعل الشيء إذا كان النهي متوجها إلى ذاته ، أو إلى جزئه ، لا إذا كان متوجها إلى أمر خارج عنه ، فإن ذلك لا يفيد عدم صحة تلك الذات . . . وإذا عرفت هذا كما ينبغي ، عرفت ما يوجب بطلان العبادة من الأدلة ، وما لا يوجبها . وقد أوضحت هذا المعنى ، وقررته في مؤلفاتي ( 1 ) تقريرا
--> ( 1 ) انظر " نيل الأوطار " ( 2 / 132 - 140 ) . " وبل الغمام " ( 1 / 251 - 252 ) . وقال الشوكاني في " السيل الجرار " ( 1 / 158 ) : " لأن مجرد الأوامر فغاية ما يدل عليه الوجوب ، والواجب ما يستحق فاعله الثواب بفعله والعقاب بتركه ، وذلك يستلزم أن يكون ذلك الواجب شرطا ، بل يكون التارك آثما ، وأما أنه يلزم من عدمه العدم فلا . وهكذا يصح الاستدلال على الشرطية بالنهي الذي يدل على الفساد والمرادف للبطلان إذا كان النهي عن ذلك الشيء لذاته . أو لجزئه ، لا لأمر خارج عنه ، إذا عرف هذا علمت أن طهارة البدن من الحدثين الأصغر والأكبر شرط لصحة الصلاة لوجود الدليل المقيد للشرطية ، وأما طهارته من النجس فإن وجد دليل يدل على أنه لا صلاة لمن صلى وفي بدنه نجاسة , أو لا تقبل صلاة من صلى وفي بدنه ، أو وجد نهي لمن في بدنه نجاسة أن يقرب الصلاة وكان ذلك النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان ، صح الاستدلال بذلك عن كون طهارة البدن عن النجاسة شرطا لصحة الصلاة ، وإلا فلا ، وليس في المقام ما يدل على ذلك " . ثم قال الشوكاني في " السيل الجرار " ( 1 / 377 ) : " لا شك أم من صلى في مكان مغصوب أو استعمل شيئا مغصوبا فقد فعل محرما ولزمه إثم لحرام ، وأما كون ذلك يمنع من صحة الصلاة فلا بد فيه من دليل خاص كما قدمنا . . . وما قيل من أنه عصى بنفس ما به أطاع فغير مسلم ، ولو سلم لم يكن دليلا على عدم صحة الصلاة المفعولة في المكان المغصوب " .