محمد بن علي الشوكاني
3625
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الحديث ( 1 ) ، فهذا معلوم لكل من يعرف لغة العرب ، ويعرف معنى الإشارة ، ويعرف ما في قوله : هذه الأصناف من العموم الشمولي المحيط بكل واحد منها ، بحيث لا يخرج عنها واحد إلا بمخرج يقتضيه لغة ، أو شرعا . وإذا كان الأمر هكذا فواجب علينا العمل بما أفادته هذه العبارة النبوية ، والوقوف عند هذه الإفادة ، وحرام علينا مخالفتها بمجرد الرأي ، ومحض الشبه التي لم يسوغ الشارع العمل بها ، ولا جوز الالتفات إليها ، على تقدير أنها لم تقع معارضة للدليل الصحيح ، فكيف إذا وقعت معارضة له مخالفة لمدلوله ، منافية لمضمونه ! ولم يرد ما يصلح لتخصيص ما أفادته هذه العبارة النبوية ، إلا ما ثبت في الصحيح ( 2 ) وغيرهما من حديث عائشة قالت : " قالت اشترى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ومن يهودي طعاما بنسيئة ، وأعطاه درعا له رهنا " فأن هذا الحديث يفيد أن الرهن يقوم مقام التقابض في المختلفين جنسا ، وأما ما قيل من أنه لا يعقل التفاضل والاستواء إلا مع الاتفاق في التقدير ( 3 )
--> ( 1 ) تقدم من حديث " عبادة بن الصامت " بألفاظه . ( 2 ) تقم تخريجه . ( 3 ) لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين تعلمه إلا عن سعيد بن جبير - تقدم رده . قال ابن قدامة في " المغني " ( 6 / 62 ) : وفى لفظ : " إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " ولأنهما جنسان ، فجاز التفاضل فيهما ، كما لو تباعدت منافعها ، ولا خلاف في إباحة التفاضل في الذهب والفضة من تقارب منافعها ، فأما النسا ، فكل جنسين يجري فيهما الربا بعلة واحدة ، كالمكيل بالمكيل ، والموزون بالموزون والمطعوم بالمطعوم ، عند من يعلل به فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نساء بغير خلاف نعلمه وذلك لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " . وفي لفظ : " لا بأس ببيع الذهب بالفضة ، والفضة أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا ، ولا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثرهما يدا بيد ، وأما النسيئة فلا " . إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا ، والآخر مثمنا ، فإنه يجوز النساء بينهما بغير خلاف ، لأن الشرع أرخص في السلم والأصل في رأس المال الدراهم والدنانير ، فلو حرم النساء ههنا لانسد باب السلم في الموزونات في الغالب . فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون ، مثل بيع اللحم بالبر ففيهما روايتان : إحداهما : يحرم النساء فيهما وهو الذي ذكره الخرقي ههنا لأنهما مالان من أموال الربا ، فحرم النسا فيهما ، كالمكيل بالمكيل . والثانية : يجوز النساء فيهما وهو قول النخعي ، لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل ، فجاز النساء فيهما ، كالثياب بالحيوان .