محمد بن علي الشوكاني

3610

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الخطاب ( 1 ) ، وهو معمول به إجماعا ، ولم يخالف فيه من خالف في العمل ببعض المفاهيم ، ولا خالف في العمل ببعض أنواع القياس . وبيان آخر وهو أنه لا شك ، ولا ريب أن وضع الجائحة الواقعة على نفس الزرع الذي باعه البائع ، وقد صار زرعا ، وعلى نفس الثمر الذي باعه البائع ، وقد صار ثمرا ، فيه من ذهاب الفائدة ( 2 ) العائدة إلى البائع زيادة على ما ذهب من الفائدة : العائدة للمؤجر لنفس الأرض ، أو الشجر ، ولا زرع هناك ، ولا ثمرة ، فإن قيمة الزرع أو الثمر الحاصل أكثر من مجرد قيمة الأرض ، أو الماء للثمرة التي لا تحصل للمستأجر ، إلا بالحرث للأرض والبذر ، والتعب في تحصيل الزرع والثمر . هذا معلوم لكل عاقل ، ومعلوم لكل عاقل أنه لا يقصد باستئجار الأرض ، أو الماء ، إلا ما يترتب على ذلك من فائدة الزرع ، أو الثمر ، وكان دخول حط الجوايح في الأشياء المؤجرة لذلك أولى من دخول حط ما قد صار زرعا ، أو ثمرا . وأصابته الجائحة ، ومن لا يفهم هذا ، فهو لا يفهم مدلولات الكلام كما ينبغي . وعلى كل حال فالاستدلال بعموم الجوائح ( 3 ) ، وبعموم : " بم تستحل مال أخيك " لا يحتاج معهما إلى

--> ( 1 ) تقدم توضيحه . ( 2 ) قال ابن قدامه في " المغني " ( 6 / 180 ) : إذا استأجر أرضا ، فزرعها فتلف الزرع ، فلا شيء على المؤجر ، نص عليه أحمد . ولا نعلم فيه خلافا ، لأن المعقود عليه منافع الأرض ، ولم تتلف ، وإنما تلف مال المستأجر فيها ، فسار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابه ، فتلفت الثياب فيها . قال الماوردي في " الحاوي " ( 6 / 250 ) : وأما الجواب عن الاستدلال بالدار المؤجرة ، فلا يصح الجمع بينهما ، لأن ما يحدث من منافع غير وجود في الحال ، ولا يقدر المستأجر على قبضه ، فبطلت الإجارة بتلف الدار قبل المدة وليست الثمرة كذلك ، لأنها موجودة يمكن للمشتري أن يتصرف فيها ويحدث في الحال جميعها ، فلا يبطل البيع بتلفها بعد التمكين منها والله أعلم . ( 3 ) لا يخلوا حال تلفها بعد العقد من ثلاثة أقسام : أحدها : أن تتلف قبل التسليم . أ - إما أن يكون بجائحة من السماء ، أو بجناية آدمي ، أو بجناية البائع فإن تلفت بجائحة من السماء ، كانت من ضمان البائع ، وبطل البيع ، لا يختلف ، لأن تلف المبيع قبل القبض مبطل للبيع . ب - وإن تلفت بجناية آدمي غير البائع ، ففي بطلان البيع قولان : 1 - قد يبطل كما لو تلفت بجائحة سماء . 2 - لا يبطل البيع ، لأن بدلها مستحق على الجاني ، لكن يكون المشتري بالخيار بحدوث الجناية بين الفسخ والرجوع بالثمن ، وبين إمضاء البيع بالثمن مطالبة الجاني بمثل قيمتها إن لم يكن لها مثل . ج - وإن تلفت بجناية البائع ، ففيه وجهان حكاهما ابن سريج : 1 - أن جناية البائع كجائحة من السماء ، فعلى هذا يكون البيع باطلا قولا واحدا . 2 - أنها كجناية الأجنبي ، فعلى هذا في بطلان البيع بها قولان . ثانيهما : أن يكون تلفها بعد التسليم وقبل الجداد ، فهذا ضربين : 1 - أن يكون المشتري قد تمكن من جدادها بعد التسليم فأخره حتى تلفت فيتكون من ضمان المشتري ، ولا يبطل به الأحوال كلها سواء كان تلفها بجائحة أو بجناية ، لأن تأخير الجداد مع الإمكان تفريط منه . 2 - أن لا يتمكن المشتري من جدادها حتى تلفت ، فتنظر في سبب تلفها فإنه لا يخلوا من الأحوال الثلاثة : إما بجائحة سماء ، أو جناية أجنبي أو جناية البائع . فإن كان تلفها بجائحة سماء ، ففي بطلان البيع قولان مضيا . وإن كان تلفها بجناية البائع ، فإن قيل : إن البيع لا يبطل بجائحة السماء ، فيكون أن يبطل بجناية أجنبي . وإن قيل : إنه يبطل بجائحة السماء ففي بطلانه بجناية الآدمي قولان : وإن كان تلفها بجناية البائع : فأحد الوجهين : أنها تكون كجائحة السماء فيكون في بطلان البيع قولان . والوجه الثاني : أنها كجناية الأجنبي على ما مضي ، فهذا الحكم في تلفها بعد التسليم وقبل الجداد . ثالثهما : هو أن يكون تلفها بعد الجداد ، فالبيع ماض لا يبطل بتلفها على الأحوال كلها ، لاستقرار القبض ، وانقضاء العقد وتكون مضمونه على الآدمي بالمثل أو بالقيمة إن يكن لها مثل . انظر : " المغني " ( 6 / 179 - 180 ) ، " الأم " ( 6 / 191 - 192 ) .