محمد بن علي الشوكاني

3592

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

وظاهر أحاديث النهي السالفة ( 1 ) أن بيع الحاضر البادي محرم من غير فرق بين القريب والصديق ، وغيرهما ، وإلى التحريم ذهب الجمهور ( 2 ) ، وهو الحق . وذهب عطاء ومجاهد ، والهادي ، وأبو حنيفة ( 3 ) إلى ذلك مطلقا من دون كراهة ، واحتجوا أولا بأحاديث النصيحة ( 4 ) لكل مسلم ، وهي أحاديث صحيحة ، ولكنها تجاب عنها بأنها أعم مطلقا حتى أحاديث النهي للحاضر عن البيع للبادي فلا يصلح لمعارضة أحاديث النهي ، ولا لنسخها ( 5 ) كما زعم البعض ، اللهم إلا أن يصح تأخر أحاديث النصيحة عن أحاديث النهي ؛ فإنها تكون ناسخة عند من جعل العام المتأخر ناسخا ، وهو مع كونه مذهبا مرجوحا متوقف على تأخر العام ، ولم ينتقل أحد من أهل العلم أنه متأخر فيبني العام على الخاص كما هو المذهب الحق . وقد نقل بعضهم أنه مجمع عليه من جهل التاريخ ، واحتجوا ثانيا بالقياس على جواز توكيل البادي للحاضر ( 6 ) ، ويجاب عنه بأنه قياس في مقابلة النص ، فهو فاسد الاعتبار ، على أنه لو سلم وجود دليل يدل على جواز التوكيل مطلقا لكان عاما ، لشموله وكيل البيع والشراء ، والخصومة وغير ذلك ، وغير النهي يكون خاصا فيبني العام على الخاص . وممن رجح التحريم الإمام المهدي في البحر ( 7 ) حيث كان فيه إضرار .

--> ( 1 ) انظر " المفهم " ( 4 / 368 ) . وقد تقدم . " الفتح " ( 4 / 371 ) . ( 2 ) انظر " المغني " ( 6 / 307 ) . ( 3 ) انظر " البناية في شرح الهداية " ( 7 / 390 - 391 ) . ( 4 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 4 / 371 ) وحمل الجمهور حديث " الدين النصيحة " على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص يقضي على العام والنسخ لا يثبت بالاحتمال . وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهي بمن بيع له بالأجرة كالسمسار وأما من ينصحه فيعلمه بأن السعر كذا مثلا فلا يدخل عنده والله أعلم . ( 5 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 4 / 371 ) وحمل الجمهور حديث " الدين النصيحة " على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص يقضي على العام والنسخ لا يثبت بالاحتمال . وجمع البخاري بينهما بتخصيص النهي بمن بيع له بالأجرة كالسمسار وأما من ينصحه فيعلمه بأن السعر كذا مثلا فلا يدخل عنده والله أعلم . ( 6 ) تقدم التعليق على ذلك . ( 7 ) ( 3 / 297 ) .