محمد بن علي الشوكاني
3589
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بالتعامل ( 1 ) لأنه مظنة للبيع برخص ، فيحرم على من كان عالما بكيفية التعامل أن يبيع له . قلت ذلك نادر لا اعتبار به ، ولهذا لم يلتفت إليه الشارع ، فلا يصح النقض ( 2 ) به ولا الكسر ( 3 ) ، فإن صلح للاعتبار فهو ملزم . فإن قلت : إذا كانت العلة ما سلف ، فمن كان من أهل البادية عالما بكيفية التعامل كالقريب ، بحيث ينتفي عنه مظنة الترخيص في البيع ، ولا يبقى بينه وبين الحاضر فرق ، هل له أن يوكل بالبيع ( 4 ) ؟
--> ( 1 ) من العلماء - كمالك - خص هذا الحكم بالبادي وجعله قيدا ، ومن هم من ألحق به الحاضر إذا شاركه في عدم معرفة السعر . وقال مالك : إنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب فألحق به من يشاركه في عدم معرفة السعر الحاضر وإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يبادر بالبيع . وهذا تفسير الشافعية والحنابلة ، وجعل المالكية البداوة قيدا وعن المالك لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه ، قال فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك ومنهم من قيد ذلك بشرط العلم بالنهي ن وأن يكون المتاع المجلوب مما تعم به الحاجة ، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي . " فتح الباري " ( 4 / 371 ) . ( 2 ) تقدم تعريفه . ( 3 ) تقدم تعريفه . ( 4 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 4 / 367 ) : قوله " لا يبيع حاضر لباد " مفسر بقول ابن عباس : لا يكن له سمسارا ، وظاهر هذا النهي العموم في جميع أهل البوادي ، أهل العمود وغيرهم ، قريبا كانوا من الحضر أو بعيدا ، كان أصل المبيع عندهم بشراء أو كسب . قال الحافظ في " الفتح " ( 4 / 371 ) : قال ابن المنير وغيره : حمل المصنف النهي عن بيع الحاضر للبادي على معني خاص وهو البيع بالأجر أخذا من تفسير ابن عباس - بقوله لا يكون له سمسارا - وهو في الأصل القيم بالأمر ، والحافظ ، ثم اشتهر في متولي البيع والشراء لغيره بالأجرة كذا قيده ابن حجر وجعل حديث ابن عباس مقيدا لما أطلق من الأحاديث . أما بغير أجرة فجعله من باب النصيحة والمعاونة فأجازه ، وظاهر أقوال العلماء أن النهي شامل لما كان بأجرة ، وما كان بغير أجرة . وفسر بعضهم : صورة بيع الحاضر للبادي بأن يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال ، فيأتيه الحاضر فيقول ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأعلى سعر من هذا السعر . . . " . انظر " المغني " ( 6 / 310 ) . قال البغوي في " شرح السنة " ( 8 / 123 ) : قوله : " لا يبيع حاضر لباد فذهب بعضهم إلى أن الحضري لا يجوز أن يبيع للبدوي شيئا ، ولا يشتري له شيئا ، وهو قول ابن سيرين وإبراهيم النخعي ، لأن اسم البيع يقع على البيع والابتياع يقال : بعت الشيء وشريته بمعنى اشتريته ، والكلمتان من الأضداد .