محمد بن علي الشوكاني

3488

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

عليه وآله وسلم - وعندي رجل ، فقال : " من هذا ؟ " قلت : أخي من الرضاعة ، قال : " يا عائشة انظرن من إخوانكن من الرضاعة ، فإنما الرضاعة من المجاعة " . وهو في الأمهات ( 1 ) إلا الترمذي . ووجه الاستدلال به أن الكبير لا يرجع بينهما لأجل المجاعة بعدم احتياجه اللبن . وأجاب القائلون بأن رضاع الكبير يقتضي التحريم عن هذه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري رقم ( 5102 ) ومسلم رقم ( 32 / 1455 ) وأحمد ( 6 / 94 ) والدارمي ( 2 / 158 ) وأبو داود رقم ( 2058 ) والنسائي ( 6 / 102 ) وابن ماجة رقم ( 1945 ) والبيهقي ( 7 / 460 ) وابن الجارود في المنتقى رقم ( 691 ) . قال أبو عبيد : قوله : " إنما الرضاعة من المجاعة " يقول : إن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن ، إنما هو الصبي الرضيع . فأما الذي شبعه من جوعه الطعام ، فإن رضاعه ليس برضاع ، ومعنى الحديث : إنما الرضاع في الحولين قبل الفطام ، هذا تفسير أبي عبيد والناس ، وهو الذي يتبادر فهمه من الحديث إلى الأذهان ، حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء ، لكان هذا المعنى أولى به لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى وكشفها له ، وإيضاحها ، ومما يبين أن غير هذا التفسير خطأ , وأنه لا يصح أن يراد به رضاعة الكبير أن لفظة " المجاعة " إنما تدل على رضاعة الصغير ، فهي تثبت رضاعة المجاعة وتنفي غيرها . ومعلوم يقينا أنه إنما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة الخبز واللحم ، فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع ، فلو جعلنا حكم الرضاعة عاما لم يبق لنا ما ينفي ويثبت . وسياق قوله : لما رأى الرجل الكبير ، فقال : " إنما الرضاعة من المجاعة " يبين المراد ، وأنه إنما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة وكراهته لذلك الرجل ، وقوله : " انظرن من إخوانكن " إنما هو للتحفظ في الرضاعة وأنها لا تحرم كل وقت ، وإنما تحرم وقتا دون وقت ، ولا يفهم أحد من هذا أنما الرضاعة ما كان عددها خمسا ، فيعبر عن هذا بقوله : " من المجاعة " وهذا ضد البيان الذي كان عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقولكم : إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير ، كما تطرد الجوع عن الصغير ، كلام باطل ؛ فإنه لا يعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع ، بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن ، فهو يطرد عنه الجوع . فالكبير ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلا . والذي يوضح هذا أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرد حقيقة المجاعة وإنما أراد مظنتها وزمنها ، ولا شك أنه الصغر فإن أبيتم إلا الظاهرية ، وأنه أراد حقيقتها ، لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلا إذا ارتضع وهو جائع ، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئا .