محمد بن علي الشوكاني
3472
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
عسيلتها كما ذاق الأول " ، فلم ينكر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - تلك ، وهو دليل على إباحة الثلاث ووقوعها ( 1 ) . قلنا : لا دليل فيه على مطلوبكم ، بل غايته وقوع احتمال الثلاث مفرقة على الوجه المشروع الذي لا ينكره ، ومجتمعة ، والمحتمل لا يثبت به الحجة في محل النزاع ، على أنا لو سلمنا لكم اجتماعها لم يستلزم ذلك التسليم تقرير مجموعها ، بل الظاهر تقرير مطلق الوقوع . قالوا : في الصحيحين ( 2 ) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس
--> ( 1 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 4 / 244 - 245 ) : وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهر جدا ، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره ، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا ، وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشرع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير ، فلو قال الولي : أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد ، ك ما لو قال : أنكحتك هذه وهذه وهذه ، وكذا اعتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام ، واحتج من قال : إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال : أحلف بالله ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدة ، فليكن المطلق مثله ، قال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 365 ) : " وتعقب باختلاف الصيغتين ، فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته وقد جعل أمد طلاقها ثلاثا ، فإذا قال : أنت طالق ثلاثا ، فكأنه قال : أنت طالق جميع الطلاق . وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه فافترقا . وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء ، أعني قول جابر : إنها كانت تفعل ذلك في عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ، فقال : ثم نهانا عمر عنها فانتهينا ، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك ، ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما . وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر ، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له ، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق ، والله أعلم . انظر : " المغني " ( 10 / 330 - 334 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1480 ) ولم يخرجه البخاري . قال الأميري الصنعاني في " سبل السلام " ( 6 / 168 ) : وأجيب عنه بأنه ليس في الحديث تصريح بأنه أوقع الثلاث في مجلس واحد فلا يدل على المطلوب . قالوا : عدم استفصاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل كان في مجلس أو مجالس دال على أنه لا فرق في ذلك . ويجاب عنه بأنه لم يستفصل لأنه كان الواقع في ذلك العصر غالبا عدم إرسال الثلاث كما تقدم ، وقولنا : غالبا ، لئلا يقال قد أسلفنا أنها وقعت الثلاث في عصر النبوة ، لأنا نقول : نعم ، لكن نادرا .