محمد بن علي الشوكاني
3243
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ذلك بما ثبت في بعض ألفاظ الحديث بلفظ : " فإن اليوم يوم عاشوراء " . إذا عرفت هذا فاعلم أن أحاديث وجوب الإمساك واردة في جنس الصوم الواجب المؤدى ، فشمولها لرمضان من باب شمول النص ، لا من باب القياس كما أشعر بذلك قول من سلف ذكره من أهل الأصول . ومثل هذا الوصية للوارث ، فإن إيجابها لها اقترن بأحكام ، وهي كونها بالمعروف ( 1 ) ، وكون التبديل فيها محرما ، والجنف ممنوعا ، فنسخ وجوبها لا يوجب انتفاء ثبوت هذه الأحكام وغيرها من الوصايا بالنص ، ولذلك نظائر كثيرة . وهكذا لو فرض أن الصوم الواجب كان عشرا فجعل ثلاثين ، فإن الأحكام الثابتة في العشر ثابتة في الثلاثين بالنص ، لأنها أشياء معتبرة في ماهية الصوم ، المتصفة بالوجوب ، والتأدية والماهية واحدة لا تختلف . وهكذا إذا كان الواجب يوما ثم صار ثلاثين ، وإلا لزم أن ما ثبت من الأحكام المتعلقة بالصوم في يوم مثلا من أيام رمضان يخص ذلك اليوم ، وليس في جميع الشهر لأيام زيادة على جمع السنة لأيامها التي عاشوراء من جملتها . وقد تقرر في الأصول أن زيادة صلاة سادسة ( 2 ) لا يكون نسخا بالإجماع ، إلا ما يحكى عن العراقيين ( 3 ) من الحنفية .
--> ( 1 ) يشير إلى قوله تعالى : { الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 180 ] . ( 2 ) انظر " الكوكب المنير " ( 3 / 583 - 584 ) . نهاية السول ( 2 / 189 ) . " الإحكام " للآمدي ( 3 / 170 ) . قال الرازي في " المحصول " : " اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات لا تكون نسخا للعبادات " . ومعلوم أنه لا يخالف في مثل هذا أحد من أهل الإسلام لعدم التنافي . قاله الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 645 ) وانظر : " اللمع " ( ص 35 ) . ( 3 ) قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 645 ) " . . . وإما أن يكون من جنسه كزيادة صلاة على الصلوات الخمس فهذا ليس بنسخ على قول الجمهور وذهب بعض أهل لعراق إلى أنها تكون نسخا لحكم المزيد عليه كقوله تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } [ البقرة : 238 ] لأنها تجعلها غير الوسطى وهذا قول باطل لا دليل عليه ولا شبهة دليل فإن الوسطى ليس المراد بها المتوسطة في لعدد بل المراد بها الفاضلى . ولو سلمنا أن المراد بها المتوسطة في العدد لم تكن الزيادة مخرجة لها عن كونها مما يحافظ عليه ، فقد علم توسطها عند نزول الآة وصارت مستحقة لذلك الوصف وإن خرجت عن كونها وسطى .