محمد بن علي الشوكاني

3384

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ومن جملة ما تمسكوا به المانعون ما قاله الشيخ هاشم بن يحيى في جوابه المشار إليه سابقا ، ولفظه : وأقول مما يؤيد التحريم ما أخرجه البخاري ( 1 ) عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني رجل شاب وأخاف العنت ، ولا أجد ما أتزوج به ، ألا أختصي ؟ فسكت عني ، ثم قلت : فسكت عني ، ثم قال : " يا أبا هريرة ، من القدر ( 2 )

--> ( 1 ) في صحيحه رقم ( 5076 ) . قال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 120 ) : فإن قيل لم لم يؤمر أبو هريرة بالصيام لكسر شهوته كما أمر غيره ، فالجواب أن أبا هريرة كان الغالب في حاله ملازمة الصيام لأنه كان من أهل الصفة . قلت - أي البخاري - ويحتمل أن يكون أبا هريرة سمع : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " تقدم تخريجه . لكنه إنما سأل عن ذلك في حال الغزو كما وقع لابن مسعود ، وكانوا في حال لغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوي على القتال ، فأذاه اجتهاده إلى حسم مادة الشهوة بالاختصاء كما ظهر لعثمان فمنعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك ، وإنما لم يرشده إلى المتعة التي رخص فيها لغيره لأنه ذكر أنه لا يجد شيئا ، ومن لم يجد شيئا أصلا لا ثوبا ولا غيره ، فكيف يستمتع ؟ والتي يستمتع بها لا بد لها من شيء " - كان نكاح المتعة مرخصا فيه في حال الضرورة كالغزو ، ثم حرم نهائيا في غزوة خيبر ، وفيها أسلم أبو هريرة ، فلذلك لم يأذن له به . واعلم أن الحكمة من عدم الاختصاء إرادة تكثير النسل ليستمر جهاد الكفار ، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النسل فيقل المسلمون بانقطاعه ويكثر الكفار ، فهو خلاف المقصود من البعثة المحدية . وقال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 119 ) قوله : " فنهانا عن ذلك " - عند البخاري في الحديث رقم ( 5075 ) هو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم . وفيه أيضًا من المفاسد تعذيب النفس والتشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك ، وفيه إبطال معنى الرجولة وتغيير خلق الله وكفر النعمة ؛ لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة ، فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة واختار النقص على الكمال . ( 2 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 9 / 119 ) : ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل ، فالخصاء وتركه سواء ، فإن الذي قدر لا بد أن يقع . وقوله : " على ذلك " هي متعلقة بمقدر ؛ أي اختص حال استعلائك على العلم بأن كل شيء بقضاء الله وقدره , وليس إذنا في الخصاء بل فيه إشارة إلى النهي عن ذلك ، كأنه قال : إذا علمت أن كل شيء بقضاء الله فلا فائدة في الاختصاء وقد تقدم أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عثمان بن مظعون لما استأذنه في ذلك - الحديث رق م ( 5073 ، 5074 ) - وكانت وفاته قبل هجرة أبي هريرة بمدة .