محمد بن علي الشوكاني

3239

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بنسخ للجميع مطلقا ، سواء نقص ركن أم شرط متصل ، أم منفصل . ومن ثمة ذكروا أن نسخ صوم يوم عاشورا لا ينسخ معه إجزاء النية للصوم م بعد الفجر ( 1 ) ، بل يبقى

--> ( 1 ) قال في " المعتمد " ( 2 / 427 - 428 ) : اعلم أن الصلاة لما كانت واجبة إلى بيت المقدس ، كانت واجبة في كل مكان على البدل ، وكان يجب على المصلي أن يتوجه في المكان الذي يصلي فيه إلى بيت المقدس . فالتوجه في المكان إلى بيت المقدس هو هيئة من هيئات الصلاة في المكان فنسخ التوجه إلى بيت المقدس إنما يتناول هذه لهيئة ، فلم يكن نسخا للصلاة في المكان . كما أنا لو أمرنا بصوم يوم عاشوراء على صفة ، وهي أن نكون في ذلك اليوم متوجهين إلى بيت المقدس ، ثم نسخ عنا التوجه فقيل " لا تتوجهوا إلى بيت المقدس " فإن ذلك لا يكون نسخا للصوم في ذلك اليوم . على أن النسخ للتوجه ورد على وجه فيه تثبت لجملة الصلاة . لأن المروي في ذلك هو " ألا إن القبلة قد حولت " وفي ذلك تثبيت للصلاة وكذلك ما ورد في القرآن من ذلك وهو قوله تعالى : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } [ البقرة : 144 ، 150 ] . وهذا هو النسخ للتوجه إلى بيت المقدس ، لأن ذلك يقتضي وجوب التوجه إلى الكعبة ولا يصح الجمع بين التوجه إلى بيت المقدس وإلى الكعبة معا ، فوجوب : أحدهما في كل صلاة يصليها ينفي وجوب الآخر . فأما صوم عاشوراء ، فإنه ما وجب إلا في ذلك اليوم ، فنظيره أن لا تجب الصلاة إلا مكان مخصوص . فلو قيل : " لا تصلوا في ذلك المكان " لكان قد انتفت جملة الصلاة ، لأنها لم تجب إلا في ذلك لمكان . ألا ترى أنا نحتاج في وجوبها في مكان آخر إلى دليل آخر ؟ وكذلك إذا قيل لنا : " صوموا يوم عاشوراء " ثم قيل لنا بعد حين " لا تصوموا في يوم عاشوراء " فإن ذلك ينفي جملة الصوم ، لأنه لم يجب في زمان آخر ، وإنما وجب في هذا الزمان فقط ، فنفيه فيه نفي لجملته . فإن قيل كون ذلك نسخا لجملة الصلاة لا يمنع مما نريده ، وهو أنه إذا كان يجوز صوم عاشوراء بنية بعد الفجر ، جاز في الصوم الواجب فيما بعد ، وهو صوم شهر رمضان ، أن يجب بنية بعد الفجر ، لأنه قد ثبت أن الشرع قد صحح الصوم بنية بعد الفجر . فإذا لم تغير الشريعة ذلك , وجب أن يبقى على ما كان عليه ، قيل : إنما كان يجب ذلك لو ورد في ذلك لفظ عموم ، نحو أن يقال : " كل صوم شرعي فإنه يصح بنية بعد الفجر ، وقبل الزوال " . فأما إذا قيل : هذا الصوم الواقع في صوم عاشوراء يصح بنية بعد الفجر . . . فإنه لا يجب مثله في صوم زمان آخر ، لأن ذلك عبادة أخرى ، ولا يجب أن تتفق العبادات في شرائط صحتها ، بل ذلك موقوف على دليل زائد على ما دل . على أن النية بعد الفجر لا تمنع من صحة صوم عاشوراء .