محمد بن علي الشوكاني

2574

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

المانع الذي وقعت فيه لكونه قد خالطه في الطرفين شيء من الميتة التي يحرم أكلها ، فكان أكله حرامًا مثلها ، وليس ذلك لكونه نجسًا . ولا ملازمة بين الإلقاء وبين ترك الانتفاع من كل وجه ، فقد يكون الإلقاء إلى شيء له بذلك نوع انتفاع . وهكذا لا يستفاد من قوله تعالى : { أو لحم خنزير فإنه رجس } ( 1 ) أن تكون الميتة من غير الخنزير نجسة ، فإن الضمير في قوله : { فإنه } راجع إلى المضاف ( 2 ) وهو لحم ، أو إلى المضاف إليه وهو الخنزير على خلاف في ذلك . وعلى كل تقدير فذلك لا يستلزم نجاسة الميتة لا بمطابقة ، ولا تضمن ، ولا التزام . بل لو كان ما ذكره الله - سبحانه - في هذه الآية - أعني قوله : { قل لا أجد في ما أوحى إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير } ( 3 ) نجسًا لقال - سبحانه - في هذه : فإنها رجس ( 4 ) والرجس يكون على أربعة أوجه : إما من حيث الطبع وإما من جهة العقل ، وإما من جهة الشرع وإما من كل ذلك كالميتة . فإن الميتة تعاف طبعًا وعقلًا وشرعًا . والرجس من جهة الشرع : الخمر والميسر وقيل : إن ذلك رجس من جهة العقل وعلى ذلك نبه بقوله تعالى : { وإثمهما أكبر من نفعهما } [ البقرة : 219 ] ، لأن كل ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنبه ، وجعل الكافرين رجسًا من حيث إن الشرك أقبح الأشياء قال تعالى : { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم } [ التوبة : 125 ] . وقوله تعالى : { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } [ يونس : 100 ] . قيل : الرجس : النتن ، وقيل العذاب وذلك كقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } [ التوبة : 28 ] . وقال سبحانه : { أو لحم خنزير فإنه رجس } [ الأنعام : 145 ] . وذلك من حيث الشرع . « مفردات ألفاظ القرآن » ( ص 342 ) للراغب الأصفهاني . ، فلما جعل الحكم بالرجسية خاصًا بالخنزير ( 5 ) مع ذكر الميتة والدم المسفوح معه أفاد ذلك أنهما مغايران له في هذه الصفة أعني : الرجسية . إذا تقرر لك هذا عرفت أنه لم يدل دليل على نجاسة الميتة من غير الخنزير كائنةً ما

--> ( 1 ) [ الأنعام : 145 ] . ( 2 ) { أو لحم خنزير فإنه } أي اللحم لأنه المحدث عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكرًا وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى . « روح المعاني » ( 8 / 44 ) . ( 3 ) [ الأنعام : 145 ] . ( 4 ) الرجس : الشيء القذر ، يقال : رجل رجس ورجال أرجاس . قال تعالى : { رجس من عمل الشيطان } [ المائدة : 90 ] . ( 5 ) { أو لحم خنزير فإنه } أي اللحم لأنه المحدث عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكرًا وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى . « روح المعاني » ( 8 / 44 ) .