محمد بن علي الشوكاني

2423

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

على الجزئيات لا على الماهيات المعقولة لاستحالة وجودها في الخارج . ويرد بأنها إنما يستحيل وجودها كذلك مجردة لا مطلقًا ؛ لأنها توجد بوجود جزئي لها . انتهى . فانظر كيف جعل الأمر بالماهية جزئيًّا على أن المراد بوجودها بالخارج وجودها في ضمن مفرداتها المشخصة . وعلى تعريف القاضي زكريا يكون الأمر بها كليًّا . وقد صرحوا بما يؤيد الأول ، وقالوا : { أقيموا الصلاة } [ 1 ب ] أمر جزئي من جزئيات الأمر المطلق الذي هو للوجوب حقيقة ( 1 ) قال الزركشي في « البحر المحيط » ( 3 / 414 - 415 ) : قال ابن الخشاب النحوي : النكرة : كل اسم دل على مسماه على جهة البدل ؛ أي فإنه صالح لهذا ولهذا . انتهى . ولا ينبغي ذلك يعني موافقة ابن الحاجب للنحاة ، فإن النحاة إنما دعاهم إلى ذلك أنه لا غرض لهم في الفرق ؛ لاشترك المطلق والنكرة في صياغة الألفاظ من حيث قبول « أل » وغير ذلك من الأحكام ، فلم يحتاجوا إلى الفرق ، أما الأصوليون والفقهاء فإنهما عندهم حقيقتان مختلفتان . أما الأصولي فعليه أن يذكر وجه المميز فيهما ، فإنا قطعًا نفرق بين الدال على الماهية من حيث هي هي . والدال عليها بقيد الوحدة غير معينة ، كما نفرق بين الدال عليها بوحدة غير معينة ، وهو النكرة ، ومعينة وهي المعرفة ، فهي حقائق ثلاث لا بد من بيانها . وأما الفقيه ، فلأن الأحكام تختلف عنده بالنسبة إليها ، ألا ترى أنه لما استشعر بعضهم التنكير في بعض الألفاظ ، اشترط الوحدة ، فقال الغزالي فيمن قال : إن كان حملها غلامًا فأعطوه كذا ، فكان غلامين ، لا شيء لهما ؛ لأن التنكير يشغر بالتوحيد ، ويصدق أنهما غلامان لا غلام ، وكذا لو قال لامرأته : إن كان حملك ذاكرًا فأنت طالق طلقتين ، فكانا ذكرين ، فقيل : لا تطلق ، لهذا المعنى ، وقيل تطلق ، حملاً على الجنس من حيث هو ، فانظر كيف فرق الفقهاء بين المطلق والنكرة . قال الزركشي ( 3 / 415 ) : التحقيق أن المطلق قسمان : أحدهما : أن يقع في الإنشاء ، فهذا يدل على نفس الحقيقة من غير تعرض لأمر زائد ، وهو معنى قولهم المطلق هو التعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات ، كقوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [ البقرة : 67 ] . الثاني : أن يقع في الأخبار ، مثل رأيت رجلاً ، فهو لإثبات واحد مبهم من ذلك التعيين عند السامع ، وجعل مقابلاً للمطلق باعتبار اشتماله على قيد الوحدة . وعلى القسم الأول ينزل كلام « المحصول » ( 3 / 143 ) . وعلى الثاني ينزل كلام ابن الحاجب ( 2 / 155 ) وهو قطعي في الماهية ، هذا عند الحنفية وظاهر عند الشافعية كنظير الخلاف في العموم ، ولاسترساله على جميع الأفراد يشبه العموم ، ولهذا قيل : إنه عام عموم بدل ، والإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ باعتبار معانيها اصطلاحًا ، وإن أطلق على المعاني فلا مشاحة في الاصطلاح ، وهما أمران نسيان باعتبار الطرفين ، ويرتقي إلى مطلق لا إطلاق بعده كالمعدوم ، وإلى مقيد لا تقيد بعده كزيد ، وبينهما وسائط . قال الهندي : المطلق الحقيقي : ما دل على الماهية فقط ، والإضافي : يختلف نحو : رجل ، ورقبة ، فإنه مطلق بالإضافة إلى رجل عالم ، ورقبة مؤمنة ، ومقيد بالإضافة إلى الحقيقي ؛ لأنه يدل على واحد شائع ، وهما قيدان زائدان على الماهية . % المعبر عنها في الأصول بالمطلق فهو ما وضع للماهية مطلقًا ،

--> ( 1 ) في هامش المخطوط : « وللمحقق شارح المختصر على قول المختصر : إذا أمر الآمر بفعل مطلق نحو : اضرب من غير تعيين ضرب [ معين ] فالمطلوب الفعل الجزئي . . . إلخ . واعلم أنك إذا وقفت على الماهية بشرط شيء ، وبشرط لا شيء ، ولا بشرط شيء علمت أن المطلوب الماهية من حيث هي هي لا بقيد الجزئية ، ولا بقيد الكلية . ولا يلزم من عدم اعتبار أحدهما اعتبار الآخر ، وأن ذلك غير مستحيل ، بل موجود في ضمن الجزئيات . قال السعد : قوله : واعلم . يشير إلى أن مبنى كلام الفريقين على عدم تحقيق معنى الماهية الكلية ، وعدم التفرقة بين الماهية المطلقة بمعنى عدم اشتراط قيد ما ، والمطلقة بمعنى اشتراط الإطلاق وعدم التقييد ، وحقق بها في الماهية بعد ذلك . % . وقال شارح مقدمة ابن هشام النحوي عند قوله : وأما اسم الجنس النكرة