محمد بن علي الشوكاني
2409
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
به في النهي ، كما هو الراجح ، وهو فعل مغاير لسائر الأفعال الوجودية التي هي أضداد الحرام ، ولا خفاء في توقف الكف على القصد له ، ولا في أن الكف عن الشيء فرع خطوره بالبال ، وداعية النفس له ، فمن سكنت جوارحه عن الحرام أو غيره أو حركها في مباح أو غيره ، من غير أن يخطر بباله الحرام ، ولا دعته النفس إليه لم يوجد منه كف ، فلا يكون آتيًا بالترك الواجب ، وإن كان غير إثم اكتفى بالانتقال الأصلي في حقه ، فقد ظهر أن اجتماع الترك الواجب أعني : الكف ، وما يعرض عن فعل مباح أو غيره مما ذكره اجتماع اتفاقي لا لزومي ، فإذا اجتمعا فالموصوف فيه بالوجوب هو الكف ، لا ما يقارنه من الفعل المباح أو غيره انتهى . قال ابن أبي شريف : وهذا أحسن ما يتخلص به عن دليل الكعبي . ولا يخفى عليك أن هذا الكلام مع ما فيه من التكلف لا يتم إلا بعد تسليم أن المكلف به في النهي هو الكف المذكور ، وأنه خلاف ، فإن القائلين بأن النهي عن الشيء أمر بضده صرحوا بأن النهي طلب ترك فعل ، والترك فعل للضد ، فالمكلف به فعل الضد والمباح ضد فيكون واجبًا لا من حيث كونه كفَّا عن قصد ، بل من حيث كونه تركًا للحرام . وأهل هذا المقالة أعني : كون النهي عن الشيء أمرًا ( 1 ) بضده هم القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده .
--> ( 1 ) انظر الرسالة السابقة . قال ابن برهان في « الأوسط » كما في « البحر المحيط » ( 1 / 281 ) : بنى الكعبي مذهبه على أصل إذا سلم له فالحق ما قاله ، وهو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده ، ولا مخلص من مذهبه إلا بإنكار هذا الأصل .