محمد بن علي الشوكاني

2399

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

نقل ، ولا جرم هيبة الجمهور تفعل أكثر من هذا ، ومعرفة الحق بالرجال لا الرجال بالحق لا يأتي إلا بمثل هذا فاسمع ما نملي عليك من مرجحات مذهب هذا العالم المتفرد بهذه المقالة ؛ لتأخذ حذرك من جعل الكثرة بمجردها من موجبات الرجحان ، ودلائل الإصابة وتجعلها عبرة في أمثال هذا المقام ، وليقدم تقرير مذهب الكعبي ليكون الناظر على بصيرة . فنقول : حكى عنه ابن الحاجب في مختصر المنتهى ( 1 ) القول بأن المباح مأمور به ، وتأويله للإجماع على أن المباح غير مأمور به بأنه باعتبار ذات الفعل ، لا بالنظر إلى ما يستلزمه ، جمعًا بين الأدلة . وصرح السبكي في جمع الجوامع ( 2 ) أن الخلاف لفظي ( 3 ) ،

--> ( 1 ) ( 1 / 6 ) . ( 2 ) ( 1 / 173 ) . ( 3 ) نعم الخلاف بين الجمهور والكعبي في اللفظ والعبارة فقط ولا خلاف بينهما في المعنى . أن الكعبي نظر إلى المباح من حيث ما يعرض له من عوارض تخرجه عن كونه مباحًا وتجعله مأمورًا به ، فهذا النظر هو سبب قوله في استدلاله على أن المباح يكون مأمورًا به باعتبار ما يعرض له من ترك حزم وغيره لا أنه مأمور به من حيث ذاته . ومعلوم أن الطرفين قد اتفقا على أن المباح مأمور به لعارض يعرض له . كما ذكرنا في أقسام المباح بحسب الكلية والجزئية . - خلاصة : أن الكعبي نظر إلى المباح من حيث ما يعرض له من عورض تخرجه عن كونه مباحًا تجعله مأمورًا به . والأولى ما ذهب إليه الجمهور وهو أن المباح غير مأمور به ، ونظرتهم لأنهم نظروا إلى ذات الفعل المباح ، والكعبي إنما نظر إلى ما يستلزمه الفعل المباح . والأصل في ضبط الحدود وبناء الأحكام إنما هو بالنظر إلى ذات الشيء ، لا إلى ما يستلزمه وما يعرض له من عوارض . وإذا ثبت أن النزاع لفظي في المسألة ، لعدم ورود المذهبين على محل واحد : يتبين أن المباح من حيث ذاته لا يمكن أن يكون مأمورًا به بالاتفاق . أما المباح من حيث ما يعرض له وما يستلزمه يمكن أن يكون مأمورًا به حسب العوارض . انظر : « الكوكب المنير » ( 1 / 425 ) ، « نهاية السول » ( 1 / 63 ) ، « البحر المحيط » ( 1 / 279 ) ، « المستصفى » ( 1 / 74 ) ، « الإحكام » للآمدي ( 1 / 125 ) .