محمد بن علي الشوكاني
2126
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
كانت الشريعة سهلة ، فما معنى : حفت الجنة بالمكاره ( 1 ) ؟ ولأي شيء مدح الله الصابرين ، ووصى عباده بالصبر ؟ ! قلنا : لأن النفوس الخيبيثة تستعسر السهل من الخير لنفرتها عنه ، وعدم رياضتها ، لا لصعوبته في نفسه ، ولهاذ تجد أهل الصلاح يستسهول كثيرا مما يستعسره غيرهم ، فلو كان العسر في نفس الأمر المشروع لكان عسرا على كل أحد ، وفي كل حال ، وقد نص الله تعالى على هذا المعنى فقال في الصلاة : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ( 2 ) فدل على أن العسر والحرج لا يكونان في أفعال الخير ، وإنما يكونان في نفوس السوء . قال الله تعالى : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } ( 3 ) فمدار المشقة في الطاعات على الدواعي والصوارف ، ولهذا نجد قاطع الصلاة يقوم نشيطا إلى أعمال كثيرة أشق من الصلاة ، وقد يكون العسر الموهوم في أعمال الخير من فساد القلب وكثرة الذنوب ، وعدم الرياضة ، وملازمة البطالة ، ألا ترى ما فلي قيام الليل وإحيائه بالعبادة من المشقة على النفوس ! وهو تسهل عليها سهره في كثير من الأحوال في العرسات والأسمار والسروات في الأسفار ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن من الناس من يحصل له من شدة الرغبة في العلم ، وسائر الفضائل ما يسهل عليه
--> ( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود في « السنن » رقم ( 4744 ) والترمذي رقم ( 2560 ) والنسائي ( 7 / 3 - 4 ) والحاكم ( 1 / 26 - 27 ) وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وابن حبان رقم ( 7394 ) من حديث أبي هريرة وهو حديث حسن . ( 2 ) [ البقرة : 45 ] ( 3 ) [ الأنعام : 125 ] . قال ابن الويز في « العواصم » ( 1 / 253 ) : فنص الله تعالى هذا المعنى الذي ذكرت لك هو أن الشيء المعين يكون عسيرًا على هذا سهلاً على هذا ، فلو كان عسيرًا في نفسه ، لكان عسيرا عليهما ، ولكنه يسير في نفسه ، وإنما يتعسر بحرج الصدر ، والكسل ، وقلة الدواعي ويستهل بنقيض ذلك