محمد بن علي الشوكاني
2320
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
والجاهل للأمر أحق بنسبته إليه من العالم ؟ وهل قال عاقل من العقلاء أن الظن أرجح من العلم ؟ وهل يوجد مثل هذا في دفتر من دفاتر العلم ؟ وهل قد سبق إليه أحد ؟ وهل خفي على هذا القائل ما ذكره أئمة الأصول والفروع ، والمعقول والمسموع من الترجيح بين أقسام الظن ، وتقديم القوي ممنها على الضعيف حتى كان الظن الغالب أقوى من الظن المطلق ؟ والظن المقارب للعلم أقوى من الظن الغالب ؟ فإذا كان الظن المقارب للعلم أرجح الظنون باعتبار قرية من العلم ، فكيف لا يكون العلم أرجح منها ! ؟ وكيف يسعد [ 6 أ ] بمزية الترجيح الظن المقارب له بسبب قربه منه ! ويحرم هذه المزية العلم ؟ وهل هذا إلا خروج عن العقل ، وبعد من إدراك النوع الإنساني ! ؟ ثم نقول لهذا المانع : اعرض على عقلك - إن بقي لديك منه شيء - مسالك العلة المدونة في الأصول ، وأجعل علة الحكم بالبينة والإقرار واليمين ( 1 ) في أي مسلك شئت منه .
--> ( 1 ) في هذه الرسالة نجد الشوكاني على عقيدة أن علم القاضي يفضي إلى اليقين القاطع بخلاف ما يتحصل له من الأدلة والبينات الأخرى غير علمه فهي إنما تفيد الظن . فهل حقا أن علم القاضي مفاده اليقين القاطع في كل الأحوال ؟ لا نظن ذلك ، فنقول للشوكاني أن القاضي فيما علم كالشاهد فيما يعلم ، أي أن الشاهد حين يروي في أقواله ما شاهده أو سمعه فإن مؤدى روايته بالنسبة له وحده اليقين لأنه قال ما وقف عليه بإ ؛ دى حواسه ، ولكن هذا اليقين مقصور عليه ولا يتعدى لغيره ، إذ مؤدى ما قاله بالنسبة للغير الظن ولا أكثر . وحال علم القاضي لا يخرج عن هذا الإطار فمؤاده القين بالنسبة للقاضي وحده ، ولكنه بالنسبة لغيره لا يفيد أكثر من الظن لأنه لا يعد أنه رواية آحاد . وعلى ذلك لا يمكن موافقة إطلاقات الشوكاني وهو يؤكد بتكرار أن مؤدى علم القاضي بالواقع اليقين القاطع وبصورة مطلقة فالتحليل الصحيح للفكرة أن هذا اليقين ليس كذلك بالنسبة لغير القاضي ، وأنه يمكن أن يكون يقينًا بالنسبة للقاضي وحده ، وعند هذا المستوى لا يتميز علم القاضي بأي راجحية عن علم الشاهد فإن يقنية علم القاضي كانت لا باعتبار صفته أي ليس باعتباره قاضيًا وإنما باعتباره الشخصي ، ولذلك رأيناه سابقًا أنه تساوي في ذلك مع الشاهد . وبما أن القاضي ملزم بقضائه قواعد الشريعة الإسلامية ، ولا يملك أن يتجاوز في الإثبات ما رسمته له الشريعة من قواعد وتعاليم ، ومعلوم أن تلك القواعد رواية الواحد لا تفيد إلا الظن إذا كان معروفًا بالصدق والضبط . وهذا الظن على حظ الحجية ضئيل جدًا بحيث أن هذه الرواية لا يعمل بها في كل حال ، ففي بعض المواطن ينبغي إهمالها كما هو معروف . وحيث أن القاضي ملزم بهذه القاعدة فليس أمامه إلا أن يطبقها في قضائه . ولا شك أن روايته للواقع أو لما شاهد حين يحكم هي في نظر الشريعة رواية آحاد مفادها الظن في أحسن الأحوال ، وليس أمامه إلا أن يعتبر بما اعتبرها الشرع ، وأن يزنها بميزانه فتعتبر ظنية كما يعتبرها الشرع ولا بأس أن تبقى يقينية بالنسبة له كشخص ولكن لا يملكن أن يعتبرها كذلك بالنسبة له كقاض . والقاضي هنا كالشاهد ، فلو فرضنا أن شخصا شاهد آخرًا يقتل مسلمًا أمام عينيه ، ثم شهد في المحكمة بما رأى ولكن القاضي حكم في المسألة بعلمه ، وقضي بقتل شخص آخر غير من شهد به الشاهد استنادًا إلى أنه رأى هذا يقتل المجني عليه . وعند تنفيذ الحكم بالقتل أمر القاضي بالشاهد - وهو بالمصادفة المختص بذلك - بقتل الآخر والشاهد يقتل يقينا أن المحكوم عليه بريء وأن القاتل آخر ، ترى ماذا يصنع هذا السجان ؟ هل يطيع أمر القاضي وحكمه ؟ أم يرفض اعتمادًا على يقينه الشخصي ؟ نجد الشوكاني يوافق المذهب الزيدي في هذه المسألة ويرى أن على هذا الشاهد أن يمتنع عن التنفيذ طاعة لأمر القاضي لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ويقول الشوكاني في « السيل الجرار » ( 4 / 298 ) : « عليه أن يوضح ذلك بغاية ما يقدر عليه ، فإن أمكنه الفرار فعل ولا ترد عليه الأدلة القاضية بوجوب الامتثال لأنه على يقين بأن الحكم واقع على جهة الغلط » . ودلالة ذلك أن حكم القاضي بعلمه ليس بدرجة اليقين القاطع بصورة مطلقة ، وأن الحجية فيه نسبية ، ولذلك أوجب الشوكاني على من علم يقينًا بخلاف علم القاضي أن يرجح علمه على علم القاضي فلا ينفذ ما أمر به .