محمد بن علي الشوكاني
2287
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بدليل علمي ( 1 ) هو ما كان حكمًا ناجزًا مستندًا إلى العلم ، لا ما كان حكمًا مشروطًا ، أو مستندًا إلى الظنِّ ؛ فإنه يجوز نقضه بحجة أقوى منه . فطلب بعض الحكام - أبقاهم الله - النقل عن أهل المذهب الشريف في ذلك . فأقول : قال الإمام المهدي - عليه السلام - في ( البحر الزخار ) ( 2 ) ما لفظه : « فصل : ولا ينقض حكم إلا أن يخالف قاطعًا ؛ إذ لا يبطل العلم بالظن » انتهى فهذا التعليل يدل على أن الحكم مستنده أمرٌ يفيد العلم ؛ إذ لا يكون الحكم معلوماً ،
--> ( 1 ) إذا كان الحكم معتمدًا على دليل قطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي فلا ينقض ، لأن نقضه إهمال للدليل القطعي ، وهو غير جائز أصلًا . وإما إذا خالف الحكم دليلًا قطعيًا ، فينقض بالاتفاق بين العلماء ، سواء من قبل القاضي نفسه ، أو من قاض آخر ، لمخالفته الدليل . فإن كان الحكم في غير الأمور القطعية ، وإنما في مجال الاجتهادات أو الأدلة الظنية فلا ينقض . حتى لا تضطرب الأحكام الشرعية أو تنعدم الثقة بأحكام القضاء وتبقى الخصومات وتبقى الخصومات على حالها بدون فصل زمانًا طويلًا . قال ابن قدامة في « المغنى » ( 14 / 34 مسألة رقم 1868 ) : وجملة ذلك أن الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه ، فبان له خطؤه أن بان له خطأ نفسه ، نظرت ؛ فإن كان الخطأ لمخالفة نصِّ كتاب أو سنةٍ أو إجماع نقض حكمه ، وبهذا قال الشافعي وزاد : إذا خالف قياسًا جليًا نقضه . وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى - كتااب القضاء المشهور - وقد بين فيه عمر آداب القضاء ، وصفة الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس : » . . ولا يمنعك قضاءً قضيت فيه اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الحق قديمٌ ومراجعة الحقِّ خير من التمادي في الباطل . . » . أخرجه الدارقطني في « السنن » ( 4 / 206 ، 207 رقم 15 ) والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 10 / 115 ) . ( 2 ) ( 5 / 135 - 136 )