محمد بن علي الشوكاني
2268
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بأن كل مجتهد مصيب ( 1 ) فإن قالوا هذا الإنكار منهم واقع على ما يقتضيه المذهب فهو باطل ، فالمذهب هو المصرح به في الأزهار . وإن قالوا إنه لا على مقتضى المذهب فما هو الذي استندوا إليهن وعلموا أنه مع اعترافهم بأنهم مقلدون ، وأن غاية علمهم هو ما في هذا المختصر كما يعلمون ذلك ، ويعلمه كل من يعرفهم على أنهم يعترفون بأن عهدتهم قبول قو من يقلدونه من دون أن يطالبوا بحجة ؟ فما بالهم ها هنا خرجوا عن علمهم ، وخالفوا ما قد التزموه ! وهل يعترفون بأن وقوع هذا منهم منكر أم لا ؟ فإن كانوا يعترفون فكيف يرضون لأنفسهم بفعل المنكر ! وهم يعلمون أن فاعل المنكر يحب الإنكار عليه ودفعه عن ذلك ولو بالقلب ( 2 ) ، وإن كاننوا لا يعترفون بذلك فما هو الذي استندوا إلى غير فما بالهم تركوا مذهبهم الذي التزموه ونشؤوا عليه ! ثم يقول لهم : أخبرونا ما هو ا لذي استندتم إليه إن كان على طريق التقليد ؟ فكيف جاز لكم ترك مذهبكم وتقليد غيره ؟ ! وهل ها مما يجوز عندكم أم لا ؟ وإن قالوا ليس ذلك على طريق التقليد قلنا لهم أنتم تعترفون على أنفسكم بأنكم مقلدون ، ولو تنزَّلنا معكم وقلنا إن الله قد فتح عليكم بعلوم الاجتهاد فهو القادر على كل شيء ، فأخبروا ما هو الذي دلكم على [ 2 أ ] الوقوع في هذا الأمر حتى نتكلم معكم بالأدلة ، ونوضح لكم الأمر على حقيقته بعد اعترافكم بأنكم تركتم التقليد بعد وجود المسوغ ؟ الأمر الثالث : من تلك الأمور : أنه قد تقرر أن التقليد إنما هو في المسائل الفرعية ( 3 )
--> ( 1 ) تقدم مرارًا . ( 2 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 49 ) وأبو داود رقم ( 1140 ، 4340 ) والترمذي رقم ( 2173 ) والنسائي ( 8 / 111 ) وابن ماجة رقم ( 4013 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : » من رآى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » . وهو حديث صحيح . ( 3 ) لا خلاف بين أهل العلم في أن المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - إذا أصاب الحق له أجران ، للحديث المتقدم ، لكن المسألة التي وقع فيها نزاع بين العلماء هي : هل المجتهد - الذي توفرت الشروط في اجتهاده - المخطئ للحق ، المخالف للصواب ، معذور أو لا ؟ وهل يأثم أولا يأثم ؟ . مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنه والتابعين لهم بإحسان : أنهم لا يكفرون ، ولا يفسقون ، ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة فرعية ولا عملية ، ولا في الأصول ولا في الفروع ولا في القطعيات ولا في الظنيات . انظر : » مجموع الفتاوى » ( 19 / 207 ، 123 ، 142 ، 213 ، 216 ) وذلك له ضوابط منمها : 1 - أن يكون مع هذا المجتهد المخطئ مقدار ما من الإيمان بالله وبرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما من لم يؤمن أصلًا فهو كافر ، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد ، لظهور أدلة الرسالة وأعلام النبوة . ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي خاص بهذه الأمة . 2 - أن يكون ذا نية صادقة في إرادة الحق والوصول إلى الصواب ، أما أهل الجدل والمراء ، وأصحاب الأغراض السيئة والمقاصد الخبيثة فلكل منهم ما نوى ، والحكم في ذلك للظاهر والله يتولى السرائر . 3 - أن يبذل المجتهد وسعه ويستفرغ طاقته ، ويتقى الله ما استطاع ثم إن أخطأ لعدم بلوغ الحجة ، أو لوجود شبهة ، أو لأجل تأويل سائغ ، فهو معذور ما لم يفرط . أما إن فرّط في شيء من ذلك فلم تبلغه الحجة بسبب تقصيره أو بلغته لكنه أعرض عنها لشبهة يعلم فسادها ، أو تأوّل الدليل تأويلًا لا يسوغ فإنه والحالة كذلك لا يعذر ، وعليه من الإثم بقدر تفريطه . انظر : « مجموع الفتاوى » ( 19 / 207 - 212 ) و ( 6 / 56 - 61 ) . « منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد » ( 1 / 246 - 249 ) .