محمد بن علي الشوكاني

2262

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فصل : « التقليد جائز لغير المجتهد لا له ، ولو وقف على نصِّ أعلم منه » ( 1 ) اه‍ وهذا قد دل دلالة أوضح من شمس النهار على أن التقليد لا يجوز لرجل قد بلغ رتبة ( 2 )

--> ( 1 ) انظر : شرح الأزهار لابن مفتاح ( 1 / 6 ) . ( 2 ) محل النزاع أمور ثلاثة : أولًا : أنه المجتهد إذا فرغ من الاجتهاد في مسألة معينة ، وغلب على ظنه حكم فإنه لا يجوز له أن يقلد غيره من المخالفين له في الرأي ، ويترك نظر نفسه ، ويعمل بنظر غيره ، هذا بالاتفاق . ثانيًا : إذا لم يجتهد بعد ، ولم ينظر في المسألة ، فإن كان عاجزًا عن الاجتهاد فإنه كالعامي يجوز له تقليد غيره ، وهذا ليس مجتهدًا . ثالثًا : إذا لم يجتهد بعد ، ولم ينظر في المسألة لكنه ليس بعاجز عن الاجتهاد الجزئي ، أي : هو متمكن من الاجتهاد في بعض الأمور ، وعاجز عن الاجتهاد في البعض الآخر ، ولا يقدر على هذا البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء كعلم النحو - مثلًا - في مسألة نحوية وعلم صفات الرجال وأحوالهم في مسألة خبرية وقع النظر فيها في صحة الإسناد . فهذا من حيث حصوله على بعض العلوم واستقلاله بها يشبه المجتهد . ومن حيث أنه لم يصحل هذا العلم فيشبه العامي . فهل يلحق بالمجتهد أو بالعامي ؟ فقد اختلف في ذلك على مذهبين : أصح المذهبين : أنه يشبه العامي ، لأنه كما أن المجتهد يتمكن من تحصيل العلم الذي لم يحصله ، كذلك يمكن للعامي أن يحصِّل العلم مع المشقة فلا فرق هنا . رابعًا : إذا كان هناك مجتهد صارت عند العلوم حاصلة بالقوة القريبة من الفعل ، دون أن يحتاج في تحصيله إلى تعب كثير لو بحث في مسألة معينة ، ونظر في الأدلة استقل بها ، ولا يفتقر إلى تعلم علم من غيره ، فهل يجب على هذا الاجتهاد ، أم يجوز له أن يقلد غيره ؟ اختلفوا في ذلك على مذاهب . المذهب الأول : ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ، ولا سعته ، لا فيما يخصه ، ولا فيما يفتي به ، لكن يجوز له أن ينقل للمستفتي مذهب الأئمة كأحمد والشافعي ولا يفتي من عند نفسه بتقليد غيره . وهو مذهب الأئمة الأربعة وذهب إليه الجمهور العلماء من فقهاء وأصوليين . المذهب الثاني : يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقًا سواء كان أعلم منه أو مثله ، وسواء كان م الصحة أو من غيره ، مع ضيق الوقت أو سعته . حكى هذا المذهب عن سفيان الثوري ، وإسحاق بن راهويه وهو رواية عن الإمام أحمد . المذهب الثالث : يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر أعلم منه إذا تعذر عليه الاجتهاد . ذهب إلى ذلك ابن سريج ونقله القاضي في التقريب عن محمد بن الحسن . المذهب الرابع : يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة إذا كان قد ترجح في نظره على غيره ممن خالفه ، وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم ولا يجوز له تقليد من عداهم . نقل هذا عن الشافعي في القديم . المذهب الخامس : أنه يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة والواحد من التابعين دون من عداهم . المذهب السادس : أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر فيما يخصه دون ما يفتي به . المذهب السابع : أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقًا إذا خشي أن يفوت الوقت ولو اشتغل بالاجتهاد . ولكل واحد من تلك المذاهب أدلة وتعليلات ولكن الراجح هو المذهب الأول وهو : أنه لا يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقًا . انظر : « البحر المحيط » ( 6 / 285 - 288 ) ، « المستصفى » ( 2 / 384 ) « جمع الجوامع » ( 2 / 393 ) « مجموع الفتاوى » لابن تيمية ( 20 / 204 ) « البرهان » للجويني ( 2 / 1339 ) .