محمد بن علي الشوكاني
77
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها ، فنثرهم بين يديه كالذر ، ثم كلمهم فتلا قال { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } : إلى آخر الآية ( 1 ) . وهناك ميثاق آخر يرتبط بالميثاق الأول : وهو ما جاءت به الرسل ، وأنزلت به الكتب ، تجديدا للميثاق الأول ، وتذكيرا له ، كما قال تعالى : { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [ النساء : 165 ] . قال الشوكاني في " فتح القدير " ( 2 ) " وسميت المعذرة حجة ، مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة ، تنبيها على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلا منه ورحمة " . فلا منافاة بين هذا الميثاق والميثاق الأول ، لأن كليهما ثابت في الكتاب والسنة . قال الحافظ الحكمي في " معارج القبول " ( 3 ) " فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته التي هي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول فإنه يقبل ذلك من أول مرة ، ولا يتوقف ، لأنه جاء موافقا لما في فطرته ، وما جبله الله عليه ، فيزداد بذلك يقينه ، ويقوى إيمانه فلا يتلعثم ولا يتردد . ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول ، بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه ، وهوده أبواه ، أو نصراه ، أو مجساه ، فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته فرجع إلى فطرته ، وصدق بما جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب نفعه الميثاق الأول والثاني ، وإن كذب هذا الميثاق كان مكذبا بالأول ، فلم ينفعه
--> ( 1 ) وهو حديث صحيح لشواهده . أخرجه أحمد ( 1 / 272 ) والنسائي في تفسيره رقم ( 211 ) وابن أبي عاصم في السنة رقم ( 202 ) والحاكم قي المستدرك ( 1 / 27 ) و ( 2 / 544 ) وصححه وأقره الذهبي . وانظر " الصحيحة " رقم ( 1623 ) وتحقيقي لمعارج القبول ( 1 / 104 ) . ( 2 ) ( 1 / 538 ) ( 3 ) ( 1 / 114 ) بتحقيقي .