محمد بن علي الشوكاني
540
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ووقع هذا كما أخبر به - سبحانه - فدخلوا المسجد آمنين محلقين ومقصرين ، كما وعدهم . وهكذا قوله : } إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا { ( 1 ) وقد دخل الناس في دين الله أفواجا . وما قبض - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا بعد أن دخل جميع العرب في دين الله ، ولم يبق أحد منهم على الكفر . ومن ذلك ما وقع من إخباره - سبحانه - عن أمور مستقبلة ، وكانت كما أخبر به ، وذلك كثير جدا ، كإخباره عن بعض الكفار بأنه لا يؤمن ، وأنه من أهل النار كأبي لهب ، فإنه قال فيه : } سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ { ( 2 ) فمات على الكفر . وقال في الوليد : } سَأُصْلِيهِ سَقَرَ { ( 3 ) ، فمات على الكفر . وقد ثبت في الصحيحين ( 4 ) وغيرهما ( 5 ) من حديث حذيفة . أنه قال : قام فينا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقاما ، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ، قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته ، فأراه فأذكره ، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ، ثم إذا رآه عرفه . وناهيك هذا ، فإن الأخبار بجميع الحوادث المستقبلة إلى قيام الساعة أمر عظيم . وقد كان حذيفة راوي هذا الحديث مرجعا للصحابة في معرفة أحوال الفتن ، ومعرفة أهل
--> ( 1 ) [ النصر : 1 - 3 ] ( 2 ) [ المسد : 3 ] ( 3 ) [ المدثر : 26 ] ( 4 ) : أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 6604 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 2891 ) . ( 5 ) كأبي داود في السنن رقم ( 4240 ) .